-->
»نشرت فى : الجمعة، 18 أكتوبر 2019»بواسطة : »هناك 3 تعليقات

هل فهمتي؟



     كتبت امرأة يهودية مقالا حاولت فيه أن تزيف بعض الحقائق، وأن تلبس كلامها شيئا من الموضوعية لتصل في النهاية إلى أن الإسلام لا يستحق أن يكون دينا نظرا لما يمارسه أتباعه من مظالم واختلافات، وهذه الشبهه قد يبدو للبعض جدتها في حين أنها من كثرة الكلام عليها قد ملت كثير من الألسن تردادها لكن غالبا ما تجد الكاره للخلاص الحقيقي لنفسه  والذي يفضل هواها على الحق يبحث عن شبهة أو متمسك ليتقي بها ضوء الحق الساطع، لكت ما يكدر على هذا الصنف أن الأعذار الوهمية لم تكن يوما عذرا مقبولا في ضلال صاحبها، وإن مما نسمعه في الأزمنة الأخيرة جملة حجج ما أسرع تهافتها أمام النقد البناء الواعي، وأحيانا يمكن الرد عليها برد واحد عوضا عن ملاحقة كل شبهة على حدة فمثلا: تزعم هذه اليهودية عدم اقتناعها بالإسلام وتعلل ذلك بما يلي:
    أولاً: أن المسلمين اليوم يتقاتلون فيما بينهم بخلاف اليهود الذين أسسوا دولة باسم الدين.
   ثانياً: أسلم الناس في عهد النبوة لأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أغراهم بالعدالة والحرية والخلاص من الظلم أما اليوم فبلاد المسلمين مليئة بالمظالم، بل إن كثيرين من المسلمين يهاجرون إلى البلاد التي يديرها اليهود والنصارى.
   ثالثا: انقسام المسلمين إلى أكثر من سبعين فرقة جميعها في النار إلا واحدة، وحميع الفرق تدعي أنها الفرقة المقصودة.
وهذه الشبه ونظائرها يمكن الإجابة عليها بجواب واحد بسيط، وهو أن الإسلام دين الله وليس دين البشر، فمن دخل فيه إنما يخلص نفسه أولا من عقوبة الله، ثم لا علاقة له بما سيقع على الناس، ولا تغفر له كل هذه الأعذار زيغه وضلاله، فالله عز وجل قد أنزل كتابه، وتولى النبي محمد صلى الله عليه وسلم البيان، فما على الإنسان إلى النظر والبحث بصدق وتجرد، وانظر إلى هذه الآيات الدالة على ما تقدم:
-         (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ)
-         (قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل).
-         (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم).
-         (وأمرت أن أكون من المسلمين () وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين).
     وغيرها من الآيات الدالة على هذا المعنى، ولهذا فإن على غير المسلم أن يبحث عن الدين الحق، وإذا كان من يريد وظيفة دنيوية أو سكنا صغيرا أو محلا تجاريا يسأل ويتحرى في السؤال ليحظى ببما يريد أو أحسن منه فكيف به يهمل الهدف الأعظم من وجوده، والغاية العظمى من وجود هذا الكون، نعم بعضهم يبتكر لنفسه هدفا وما أكثر المبتكرين لكنهم في النهاية مخلوقون مبربوبون والأصل فيهم أن يتبعوا الغاية التي نص عليها خالقهم، وما مثلهم إلا كمثل شخص عُيّن في شركة ليعمل عملا معيناً لا يتعداه، وإذا به يعمل هنا وهناك، فلما سئل عن سبب تركه العمل المكلف به من إدارة الشركة اعتذر بأن في تقديمه للشاي أو القهوة وصنعها لزملائه مثلا- فائدة للشركة، أو بأن في انشغاله مع إدارات أخرى مصلحة للشركة، لا شك أن مصير من هذا حاله الإقالة والطرد إن لم يعتدل ويستوعب السبب الرئيسي لتعيينه، ويقوم بعمله على أتم وجه، ومن يتأمل في أحوال معظم اللادينين يجدهم كهذا الموظف الفاشل، والذي قد يكون متقنا لعمله الآخر الذي تدخّل فيه بلا إذن إلا أنه على أية حال قد خالف إدارة الشركة في سياستها الإدارية والوظيفية، والإنسان في هذه الحياة لم يتركه الله هملا أو سدى، وإنما أنزل له دستورا يبين له الخطوط العامة في حياته، وبعضا من الخطوط التفصيلية التي لا يدركها بمجرد عقله أو من خلال القواعد العامة المنثورة في كتابه، ولم يكتف سبحانه بذلك بل جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبينا لهذا الكتاب قولا وفعلا وتقريرا، وجعله بشرا ولم يجعله ملكا لأن الله يعلم من حال البشر ما يتمتعون به من صفة الجدل التي يحاولون من خلالها التملص من أي التزام، وأن عذر بعضهم سيكون فيما لو كان النبي ملَكاً أن هذا الدين قام به ملَك ونحن بشر نخطئ ونصيب، فلا يصح هذا الدين لنا تحت البشر.
      كان ما تقدم هو رد إجمالي أما التفصيلي فهين سهل، وأجيب عليها اختصارا في النقاط التالية:
    أولا: كون المسلمين يتقاتلون فيما بينهم، فهذا صحيح لكن هل هذا مبرر لنبذ دين الله الحق من أجل الاختلاف بين أتباع هذا الدين لأغراض دنيوية، ثم إن أصحاب هذا القول ينسون أو يتناسون أن الدنيا في أصلها دار ابتلاء، يُبتلى فيها المسلم والكافر، فمن أجاب داعي الله فاز ومن لم يجبه خاب وخسر، ثم ما دام وأن هذا القائل مقتنع بأن القرآن والسنة مليئان بالأحكام النافعة في الدين والدنيا فلم لا يتبعه ويُري الناس كيف يكون الإسلام الحق، ويضرب لهم مثلا للمسلم الملتزم، فيفوز هو ويهدي الله به غيره، هذا إذا كان يريد الفلاح أما إذا أراد الجدل فهنيئا له جدله ولن يغني عنه من الله شيئا.
ثم نقطة أخرى وهي: لو كان مجرد وجود الاقتتال حجة على بطلان دين أو اتجاه معين فلن تجد دينا على وجه الأرض اليوم لم يحدث فيه شيء من هذا الاختلاف والتنازع، ولهذا كانت العبرة في أمرين:
      الأمر الأول: مدى موافقة الدين لهذه الأعمال.
     الأمر الثاني: نسبة هذه الأعمال إلى تاريخ الدين نفسه، ومدى بشاعتها ومردودها السيء على البشرية
    ثانيا: كون النبي محمد صلى الله عليه وسلم أغرى الناس بالعدل ... إلخ فهذا فيه شيء من الصواب، وبقي شيء آخر وهو إيمان الناس بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله حق، ولهذا فقد دخل في الإسلام شتى فئات المجتمعات سواء في الجزيرة العربية أم خارجها بل إن بعض من لم يسلم إنما منعه خشيته على مصلحته وإلا فهو في قرارة نفسه يدرك أن ما يسمعه من القرآن هو كلام الله، ومن هذا الصنف رهبان اليهود والنصارى، فهؤلاء كانوا ولا يزالون يدركون هذه الحقيقة ولكنهم يضحكون على أتباعهم ليحفظوا لأنفسهم التصدر والرئاسة والجاه والمال، ثم إن ضعف العدالة الاجتماعية في كثير من بلاد الإسلام ليست حجة على الإسلام بل الإسلام حجة عليها، ومن خالف تعاليمه فالإسلام من أفعاله براء، وأما عن كون المسلمين يهاجرون إلى بلاد يديرها اليهود والنصارى فكذبة كبيرة من هذه اليهودية، لأن من يحكم بلاد الغرب اليوم هم العلمانيوين أما النصارى فقد رأينا كيف كان حكمهم، وما محاكم التفتيش عنا ببعيد، بل إن الحربين العالميتين الأولى والثانية كفيلة ببيان مدى بشاعة هذه الأديان المحرفة ومن ينتمي إليها أما عن الاستعمار ونهب ثروات الأمم، والتنظير لذلك كما فعل كينز ومالتوس، وكذلك عن مجازر الهنود الحمر في قارتين عظيميتن فحدث ولا حرج، فعجبي من أناس اسودت الأرض من جرائمهم ثم يتحدثون عن السلام ومترادفاته! أما اليهود فتاريخهم ليس فيه ما يُشرف، ويكفي أنهم اليوم يحتلون بلدا ليس لهم فيه إلا مجرد دعاوى فارغة، وقد فعلوا ذلك بمعاونة النصارى والعلمانيين الذين يتغنون اليوم بسلام مزيف!
     ثالثا: ثبت في السنة أن المسلمين سينقسمون على أكثر من سبعين فرقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلها في النار إلا واحدة، فسأل الصحابة النبي عن صفاتها فقال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، وفي رواية أخرى من حديث أبي مامة: "هي السواد الأعظم"، وفي رواية ثالثة من حديث معاوية بن أبي سفيان: "هي الجماعة"، وجميعها صحيحة، فمن خلال هذه الأحاديث الثلاثة يمكن أن نميز صفات الفرقة الناجية، والمتمثلة فيما يلي:
     الصفة الأولى: أن يكون دينها مأخوذا من القرآن وصحيح السنة، فهذا هو ما كان عليه الصحابة، ومن خلال هذه القاعدة تستطيع أن تحكم على كثير من الفرق بكونها هي الفرقة الناجية أو لا، فمثلا بعض الطوائف تعلي شأن القبور والاستغاثة بأصحابها، وهذا مخالف للقرآن ولصحيح السنة، ولم يكن عليه الصحابة، وثمة طوائف تجعل من حوادث تاريخية مناحات وتستبيح بسببها دماء الناس وأموالهم، وإذا بحثنا في القرآن والسنة لم نجد ما يجيز ذلك بل على العكس تماما كما أن هذه البدع لم تُعرف عن الصحابة، بل إن هذه الحوادث جاءت تالية لعهد النبوة، وكان جل زعمائها من غير المعروفين بالصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأزيد الأمر وضوحا أن هذه الفرقة تتبرأ أصلا من جلّ الصحابة فكيف سيكونون على ما كان عليه هذه الجيل الذي بلغ الإسلام إلى الأمم، وأثنى عليه القرآن والسنة؟!
      الصفة الثانية:  السواد الأعظم، وهذه أمارة أخرى على الفرقة الناجية وهي أن يكون غالب المسلمين عليها، وهذا يعني أن الفرق الأخرى قليلة العدد، وهذا هو الواقع، ومن هنا نكتشف الكذبة الخرقاء لهذه الشبهة؛ إذ توهم قارئها إن المسلمين منقسمون على ثلاث وسبعين فرقة متساوية، فإذا كان عدد المسلمين مليارين فإن كل فرقة ستكون حوالي ثلاثين مليوناً، والحقيقة أن جل المسلمين اليوم على مذهب أهل السنة، وأكبر فرقة خارجة عن هذا الإطار هم الشيعة وهم على أحسن التقديرات لا يبلغون الثلاثمائة مليون، ومن خلال قراءة عقائدهم يتبين خطؤهم وضلالهم.
ويزيد هذه النقطة وضوحا أن المعتزلة وهم فرقة قديمة كانت تنقسم على خمس وعشرين فرقة، كل واحدة منها تحمل اسم مؤسسها كالواصلية والعمروية والهذيلية والنظامية وغيرها، وقد اندثرت جميعها، ويوم وجودها كانت بعض تلك الفرق لا يتعدى أتباعها المئات، لأن هذه الفرق تكونت من خلال تتلمذ مجموعة من طلاب العلم على شيخ معتزلي معين واقتنعوا بأفكاره، وكان عدد هؤلاء الطلاب عالبا لا يتعدى المئات، فيسمي الناس هؤلاء الطلاب باسم شيخهم، ويصبحون فرقة يناصرون مذهب شيخهم وقد يؤلف بعضهم في ذلك كتبا صغيرة أو كبيرة ثم ما لبثت أن انتهت جميع هذه الفرق الاعتزالية حاشا الأصول العامة للمعتزلة والتي تبنتها طوائف الشيعة والخوارج وزادت كل فرقة عليها زيادات تتواءم وخصائصها المذهبية وما تدعو إليه.
ثم إن هناك نقطة مهمة للغاية في هذا المجال وهي أن كلامنا فيما تقدم إنما هو عن الفرق الباقية في دائرة الإسلام أما ما ليست كذلك فلسنا مطالبين بالاعتراف بها حتى وإن ادعت ذلك، ولو أن كل صاحب دعوى أجيب لدعواه لخربت الدنيا، فمثلا: النصيرية والبهائية والبابية، والقرامطة ليسوا مسلمين بإجماع الأمة، والعبرة في النهاية لقواعدهم وأصولهم التي تنبذ أصلي الإسلام وهما القرآن والسنة، لكن المفلسين يحاولون إلصاق هذه الفرق بالغسلام لدسيسة في أنفسهم كما فعلت هذه اليهودية حين قالت: إن المسلمين في سوريا يقتل بعضهم بعضا، ومنذ متى والنصيرية مسلمون أصلا، وهم يعبدون علياً ويؤلهونه؟!
ثم إن من يسمع مثل هذا الكلام يخيل إليه أن قائله ينتمي لدين او مذهب لا اختلاف فيه، مع أن اليهودية تبلغ فرقها العشرات وكذلك النصرانية، والفرق بيننا وبينهم أن الفرقة الناجية عندنا لا تكفر أية فرقة أخرى ما دامت لم تمس الثوابت الأساسية للدين، وجلها يتمثل في أركان الإسلام والإيمان، فمن أنكر ركنا من ذلك عالما عامدا مختارا لم يكن من المسلمين حتى وإن ادعى نسبته إليه أو إلى أهل السنة والجماعة، وبهذا يظهر كذب هذه اليهودية عندما تقول إن كل فرقة تكفر الأخرى وتستحل دماءها وأموالها، فهذه الكلية منقوضة، ولا تصح، نعم ثمة فرق تفعل ذلك لكنها في ميزان القرآن والسنة مخطئة، وفي ميزان الكثرة ليست كذلك.
      الصفة الثالثة: الجماعة، فأهل الحق هم من كانوا مع جماعة المسلمين ولم يخرجوا عليهم بالسيف والقتل، فمن خرج على المسلمين مكفرا لهم ومستبيحا لدمائهم وأموالهم لم يكن من الفرقة الناجية، وقد خُص هؤلاء بتسمية خاصة وهي: الخوارج، وقد وردت أحاديث في ذمهم وبيان أوصافهم.
ثم إن هذا الحديث لا يلزم منه دخول كل فرد من أفراد هذه الفرق النار، فالحكم الإجمالي غير الإفرادي، فهذه الفرق هي فرق ضلال لكن لا يعني هذا دخول جميع أفرادها النار، ولا يعني أيضا في حال دخول بعضهم النار أنهم سيخلدون فيها فالذي سيخلد في النار إنما هو أمثال هذه اليهودية ممن لم يؤمن بالإسلام دينا عالميا خالدا وناسخا لما قبله من الأديان، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وثبت في صحيح السنة أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار»، فالإنسان إذا بقي في دائرة الإسلام ولم يرتكب ما يخرجه منه كان تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ثم إن عذبه فإنما يُعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من نار جهنم ليدخل الجنة، فالجنة هي مصير كل مسلم سواء سبق ذلك عذاب أم مغفرة، أما الكافر فلا سواء كان يهوديا أم نصرانيا أم غيرهما، أما عن قوله تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)، فهذه الآية نزلت في فريق من اليهود أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اليهود: هؤلاء أشرارنا، فأنزل الله هذه الآية، ثم إن من القيام بآيات الله الدخول في الإسلام لأنه الدين الحق والذي دلت عليه كتبهم قبل غيرها..
والحمد لله رب العالمين ..


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus
  1. ما شاء الله..لقد كفيت ووفيت شيخنا بارك الله فيك وفي جهودك المباركة

    ردحذف
  2. ما شاء الله..لقد كفيت ووفيت شيخنا بارك الله فيك وفي جهودك المباركة

    ردحذف

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015