-->
»نشرت فى : الخميس، 14 نوفمبر 2024»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

قُطَّاع طرق العلم

 




      في عصور مختلفة، كانت فتنة الطعن في العلماء وأهل الفضل ظاهرة خطيرة، تعود بين الحين والآخر تحت مظاهر متنوعة، رأيناهم اليوم، فئة من الناس تهاجم العلماء لمجرد الاختلاف العقَديّ معهم، فتجرأ بعضهم على القدح في الإمام النووي، وآخرون في ابن حجر، وآخرون في الإمام الباقلاني، وغيرهم في ابن الجوزي وغيرهم، دون مراعاة لمكانتهم العلمية أو فضائلهم، وهم في أغلبهم جهلة لا يكادون يقيمون آية من القرآن حق القيام ولا تكاد تجد من يحفظ منهم شيئا ذا بال من السنة بل ربما وجدت أحدهم يطعن في النووي وهو لا يحفظ ما يوازي ال40 النووية أو نظائرها بحجة أنه أشعري يؤول الصفات، ويصنفون أنفسهم ممثلين حصريين لأهل السنة، وأنهم وحدهم المتبعون لمذهب السلف، ولربما يستشهدون لكلامهم بشيء من فتاوى بعض أهل العلم، والتي فهموها على غير وجهها أو أطلقوها وعمموها، فأحدهم يطعن في أبي حنيفة و يذمه لا لي شيء إلا لأنه يصنفه ضمن فئة المرجئة والفقهاء الجاهلين بالسنة في حين أنه يصنف نفسه من فئة المحدثين والمتبعين للسلف، ولربما تأثر بتلك النقولات التي ذكرت عن بعض المتقدمين في ذم أبي حنيفة كابن المبارك والأوزاعي وغيرهما، ولو أنه جمع تلك النقول جميعًا لأدرك خطأه وعلم تمام العلم بأن هذه النقول منها المكذوب ومنها الذي تراجع عنه صاحبه إذ ثبت عن بعض الأئمة كابن المبارك والأوز اعي التراجع عن ذم أبي حنيفة وهم وقعوا في هذا بسبب بعض النقلة لفتاوى أبي حنيفة فلما رأى الأوزاعي مثلا شيئا من فتاوى أبي حنيفة وما كتبه قال كما في تاريخ بغداد للخطيب: «والله لقد ظلمنا الرجل»، وهكذا تجد آخرين يطعنون في أئمة كبار لا لشيء إلا لأنهم ليسوا على مذهب أحمد مثلا أو على مذهب أهل الحديث والغالب على هؤلاء أنهم صغار السن وبعضهم يشيخه أصحابه ويسبغون عليه الألقاب الفخمة والجليلة كأسد السنة وناصر السنة وإمام أهل السنة ومحدث العصر في حين أنه لا يكاد يحفظ صحيح مسلم بل ولا شطره وتكاد تكون موهبته الوحيدة هي اللسان الذرب الطعان اللعان، وقصارى علمه التهكم على عباد الله، وبعضهم قد يكذب على ابن تيمية ويفهم كلامه على غير وجهه مع أننا لو قرأنا كتب هذا الإمام لوجدناه معظمًا للأئمة عمومًا حتى أولئك الذين خالفوه في بعض قضايا العقيدة كالأشعرية والماتريدية والمعتزلة، وهذا من إنصافه رحمه الله حتى إنه قال في المعتزلة: لقد أحسنوا بإدخال الفلاسفة إلى الإسلام وأساؤوا بإدخالهم إلى الاعتزال.

   ويحاول بعض الطاعنين اليوم توظيف كلمات مجملة لأئمة السلف ليكفروا بها أئمة الإسلام مثل قول الإمام أحمد وبعض السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر ولا يميز هؤلاء الأتباع بين القول والقائل مع أن المتقرر علميا الانفكاك بين القول والقائل، إذ قد يكون القول بدعة ولا يكون القائل مبتدعا، وقد يكون القول كفرا ولا يكون القائل كافر،ا ومن المتقرر أيضاً أن ناقل الكفر والبدعة ليس كافراً ولا مبتدعًا وتقرر أيضًا أن مسائل العقيدة منها ما لا يصح فيه الاجتهاد وهو المعلوم من الدين بالضرورة، ومنها ما يدخله الاجتهاد ثم هذا النوع على مراتب، فمنها ما يكون فيها الدليل واضحاً وظاهراً، ومع هذا يذهب بعضهم إلى القول بخلافه لشبه وقعوا فيها، وهذه الشبه هي السبب في تأويل بعض الصفات ومخالفة السلف في قضايا القدر ونحو ذلك.

     وأقول أيضًا إن الإمام أحمد حينما حكم على القائل بخلق القرآن بالكفر، لم يُطبق هذا الحكم بعمومه، فقد تعامل مع الحالات بتفصيل واتزان؛ فعندما توفي الخليفة المعتصم، وهو ممن نصروا القول بخلق القرآن، عفا عنه الإمام أحمد، وصلى عليه ودعا له، وهذه مسألة دقيقة وجب التنبه إليها، ولكن يبدو أن البعض يتجاهلها، مسرعين إلى التكفير والتبديع والتفسيق بما يشبع نهمهم في هذه الأحكام، كما كان يفعل الخوارج الأوائل الذين بالغوا في العبادات ولكن أساؤوا في معاملة الخلق وكفروا المسلمين واستباحوا دماءهم، وقد وثقت السنة النبوية والتاريخ فعلهم.

      وما زاد من تعقيد الأمر في عصرنا هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من اليسير على كل جاهل أو قليل علم أن يتجرأ على التصدر في العلم وطرح آرائه بلا مؤهل أو ورع. ولقد رأينا، والله، من يدعوه أتباعه "الإمام"، وهو يفجر في الخصومة ويكذب بلا حرج، مدفوعًا برغبة في تشويه من يخالفه أو ينصح الناس بعدم اتباعه. وغالبًا ما يكون هؤلاء من صغار السن، كما هو المتوقع، مما يعكس قلة التجربة وقصر النظر في التعامل مع مسائل الدين الكبرى، وقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر»([3])، والمراد الأصاغر في العلم والسن، لأن الصغير في العلم لا يؤخذ منه العلم لأنه جاهل ومبتدئ، ولا يحسن تنزيل الأحكام على الوقائع، فما لديه من العلم لا يكفيه لأن يحسن الفتوى ولا التورع فيها ولا النظرة الشاملة للمسائل المعروضة عليه، وأما الصغير في السن حتى وإن كان لديه شيء من المعرفة والعلم فإن صغر سنه يعني قلة تجربته وخبرته، وضعف إدراكه؛ لأن من العلم ما يدرك بالسنين وإطالة إدمان النظر وعرك الحياة وخوض التجارب والالتقاء بالناس ومخالطتهم ومعاشرتهم على اختلاف أجناسهم وأطيافهم وأنواعهم، ولهذا كان الأنبياء يبعثون على رأس الأربعين، وقد اكتمل نضجهم وفهمهم، وكانت لديهم القدرة على القيادة والإرشاد.


      ولذا لا غرابة في أن تجد يافعًا يتهجم على جبال في العلم بل ويفتري على بعضهم بل ويحرق كتبهم لأنهم ليسوا على وفق هواه، والبدعة ليست قاصرة فقط على الجانب العقدي أو الفقهي فثمة بدعة أخطر وهي بدعة الهوى والانتصار للنفس مطلقاً، وهي آفة سلم منها سلف هذه الأمة، إذ كان غرضهم أن يعلو الحق ويُبصر الناسُ الصواب، ومن أمثلة ذلك قول   الإمام الشافعي: «ما جادلت أحداً إلا تمنّيت أن يظهِر الله الحق على لسانه دوني»، وقال: «ما كلمت أحداً قطّ إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدّد ويُعان، وتكون عليه رعاية الله وحفظه»، وفي هذا السياق يقول الله عز وجل: (ولا يجرمنكم شنئان قوم أن تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى(، ليكون العدل هو المقياس الأول في التعامل مع العلم والعلماء، بعيداً عن هوى النفس أو تعصب الآراء.

       ومما ينبغي التأكيد عليه أن وقوع أحد العلماء في بدعة لا يستوجب نبذه أو تجاهله كليًّا، بل الصواب أن يُؤخذ من علمه ما وافق الحق ويُترك ما خالف، اتباعًا لمنهج السلف القويم. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل، أو غيره من أئمة السلف، كلمة رصينة في هذا السياق: "لو تركنا حديث أهل البصرة لقولهم بالقدر لتركنا شطر الحديث"، إشارةً إلى أهمية التوازن والعدل في تقويم أهل العلم وعدم نبذهم كليًّا بسبب خطأ أو اجتهاد لم يصب الصواب.

    فالمبتدع في نهاية المطاف مسلم له حقوقه، ومن هذه الحقوق تصديقه وموافقته في الحق الذي أصابه، وإن كان على خلاف في بعض المسائل. وإن كان الأمر كذلك، فكيف بمن وصف بالبدعة وهو مجتهد من علماء المسلمين، يُتَّبع في علمه ويقتدى به في غير ما خالف فيه؟ وأين الإنصاف من فعل من جمع كتب الإمام ابن حجر العسقلاني وأحرقها، لمجرد أنه وافق الأشاعرة في بعض المسائل؟

      هل يتوهم هؤلاء أنهم سيكتبون شرحًا جديدًا لصحيح البخاري أو يعيدون تصنيف كتب السنة والتراث وفق رؤاهم الخاصة، وهم لا يحفظون حتى أسماء رجال البخاري، ناهيك عن فقهه وأسراره؟ إن من شهد شهادة الحق وقال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بحقها، فهو مسلم يؤخذ منه الحق ويترك ما يخالفه، كما هو نهج السلف الذي لم يكن يومًا متشددًا في الإنكار على المخالف بغير حجة، ولا مسرفًا في التبديع والتفسيق.

      ولو أننا تركنا كل عالم أو أحرقنا كتبه إذا خالفنا في مسألة عقدية أو فقهية، لما بقي لنا من تراث العلماء شيء بل إن ما يكتبه هؤلاء المحرقون للكتب من سفاهة الهوى أولى بالإحراق مما تركه العلماء الراسخون في العلم، وفي الختام، نقول كما قال تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم)، فمن لم يكرمه الله بالعلم والبصيرة مات علمه وطُمِس أثره، ولو كان في نظر أتباعه إمامًا؛ فلا يخلد في العلم إلا من أخلص وصدق، وابتغى بعلمه وجه الله وحده.

 



([1])

([2])

([3])

([4])

([5]


([1])

([2])

([3])

([4])

([5])


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015