-->
»نشرت فى : الجمعة، 26 فبراير 2016»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

تقليد غير الأئمة الأربعة


تقليد غير الأئمة الأربعة


ذكر بعض أهل العلم كأبي عمرو بن الصلاح وغيره انه لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة، وعلل ذلك بكون مذاهبهم مدونة مضبوطة خدمها العشرات من أهل العم ونقحوها وضبطوا المسائل وعركته أيديهم، ومحصته إذهانهم الوقادة، وتناقلوا هذا العلم فيما بينهم، مما يعنى الثقة بنقل المذهب وصحته ومعرفة ضوابط وشروط وأركان مسائله، وهذا ما لا يتوفر في غير المذاهب الأربعة: مذاهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم بل المذاهب التي اشتهرت وانتشرت في بقاع واسعة واستمرت لقرون كمذهب الظاهرية.
في حين ذهب آخرون إلى أنه يجوز للمفتي تقليد غير الأربعة في حق نفسه لا في الإفتاء والقضاء، قال هذا السبكي وتبعه آخرون، ونظم هذا بعضهم قائلاً:
وجاز تقليد لغير الأربعة     في حق نفسه وفي هذا سعة
لا في قضاء مع إفتاء ذكر     هذا عن السبكي الإمام المشتهر
وقال آخر:
وجائز تقليد غير الأربعة     في غير إفتاء وفي هذا سعة
وحجة من قال بهذا القول أن المستفتي عندما يسال المفتي إنما يسأله عن المعتمد في المذهب السائد في البلد والذي يكون أحد المذاهب الأربعة.
والصحيح -والله أعلم- أنه لا يخلو المنقول عنهم الفتاوى والأحكام من أقسام:
الأول: من اشتهر علما وعملا واستفاضت إمامته وانشأ مدرسة فقهيه تتابعت عليه أجيال من العلماء وغيرهم حتى عصرنا الحاضر، وهؤلاء هم المذاهب الأربعة، فهؤلاء يجوز تقليدهم والفتوى بأقوالهم، ما لم يضعف مدركها ضعفا بينا، كالقول بعدم سنية وضع اليمين عل الشمال في الصلاة.
الثاني: من اشتهر علما وعملا واستفاضت إمامته وانشأ مدرسة فقهيه تتابعت عليه أجيال من العلماء وغيرهم إلا أنه اندثرت بعد قرون، كمذهب داود الظاهري والمتمثل في كتب ابن حزم،والذي اندثر في القرن الثامن، فهذا يجوز تقليده كذلك والفتوى بقوله ما لم يضعف
ضعفا جليا كقول داود فيمن بال في وعاء ثم صبه في الماء أنه غير داخل في النهي عن البول في الماء الراكد!!
الثالث: من كان كذلك إلا أن مذهبه لم ينتشر انتشار المذاهب السابقة ولم يحظ بعلماء أكابر يمحصوه كمذهب سفيان الثوري والذي استمر إلى القرن الثالث، ومذاهب: الليث بن سعد، وابن المنذر وإسحاق وغيرهم ممن اندثرت مذاهبهم سريعا.
الرابع: من كان كذلك لكنه لم يؤسس لمدرسة فقهية ويدخل في هذا فقهاء الصحابة والتابعين وغيرهم ممن لم ينتسب إلى مذهب معين وكان يجتهد اجتهادا مطلقا.
الخامس: من جاء متأخرا ودون آراءه في العديد من الكتب والرسائل وضبطها، وتبعه على مذهبه قلة، إلا أنهم لم يتعاملوا معه علة أنه مدرسة 
فقهية، بل على أنه مجتهد فتح باب الاجتهاد فوافقوه في هذا الأصل وقد يخالفوه في الفروع، كابن تيمية، وابن قيم الجوزية وابن الأمير والشوكاني ونحوهم.
السادس: أئمة مشهورين إلا أنه لا يوثق بما نقل عنهم كما هو الحال مع الإمام زيد بن علي، والإمام جعفر الصادق، حيث كثر نقل المتهمين لأقوال هذين الإمامين ونحوهم، ونسب إليهما مذهبان قام عليه بعض من نسب نفسه إليهما في حين أن الذي صح عنهما قليل، وزاد الطين بلة أن بعض هؤلاء الأتباع يقدم الروايات المكذوبة عليهما بحجة مخالفتها لأهل السنة وأن ما روي موافقا لهم إنما كا تقية!! قال هذا الشيعة المنتسبين زورا إلى الإمام جعفر الصادق، وبهذه القاعدة الشنيعة ضاع مذهب جعفر وسادت الروايات المكذوبة، مع أن هذه الحجة داحضة، لأن دعوى التقية غير تقية، فلا يوجد شيء في الإسلام بهذا الاسم والذي له معنى ومضمون معين فكيف يقول به هذا الإمام، ثم على قولهم هذا يبعد أن يمارس هذا الإمام الإفتاء بما يعتقد بطلانه ومخالفته لدين الله مما يعني التسبب في إضلال الناس وخداعهم، كما أن هذه الدعوى يمكن أن تقابل بنقيضها بأن يقال: ولماذا لا تكون تلك الروايات المخالفة قالها تقية –إذا سلمنا تنزلا بالقول بها-.
أما بالنسبة للإمام زيد فلا يوجد كتاب يصح عنه حتى مجموعه الذي يفرح به البعض ويجعله أول ما دون في الحديث ينغص عليه أنه من رواية متهم وهو أبو إسحاق الواسطي.
ثم على فرض صحته فهو كتاب حديث لا كتاب فقه واستنباط، وأما رسائله الأخرى في بعض مباحث العقيدة فلا نسلم صحتها لما في أسانيدها من متهمين بل بعضها غير متصلة الإسناد فإذا ما زاد على ذلك اشتمال هذه الرسائل على عقائد مخالفة لعقيدة سلف الأمة وما اشتملت عليه من مسائل وضعت بعد عصره لبدل دلالة واضحة على وضع هذه الرسائل على هذا الإمام السلفي.
والمرتبة الثالثة وما بعدها هي التي ينزل عليها كلام أبي عمرو، والصواب أنه يجوز تقليد هذه المراتب والأخذ بها ما عدا الأخيرة -لما سأبينه لاحقا- بشروط:
الأول: قوة المدرك –بضم الميم- وهو الملحظ الفقهي الذي استند إليه هؤلاء الأئمة بحيث يرجح على قول غيرهم من الأئمة أيا كانوا، لأن العبرة بقوة الدليل لا بمنزلة قائله.
الثاني: ألا يكون هذا القول شاذا عن أقوال أهل العلم، ومعلوم أن لكل عالم هفوة، وقد حذ أهل العلم من تقليد العلماء واتباعهم في زلاتهم وشذوذهم، ونحن لا نثبت لأحد عصمة غير الأنبياء، كما لا يعني هذا الشذوذ الانتقاص من أقدار أهل العلم بتاتا، ولا النقص من أجورهم إذ هم دائرون بين الأجر والأجرين، والكلام في تقليدهم واعتماد أقوالهم الشاذة، وقد أجمع أهل العلم على عدم جواز هذا التقليد والاتباع.
ولكن قد يسأل سائل عن ضابط الشذوذ الذي نستطيع من خلاله الحكم على قول ما بأنه شاذ.
والجواب على ذلك أن هناك ضابطان:
الأول: ما خالف المذاهب الأربعة.
وهذا باطل لوجوه:
1-   معلوم أصوليا أن الإجماع حجة وأصل من أصول الاستدلال، وباتفاق ليس إجماع الأربعة مما يدخل في هذا الأصل.
2-        كما أن جماعة الأربعة ليست معصومة مما يعني بطلان المدعى.
3-        أن وجود أربع مدارس فقهية تتبع أربعة فقهاء لا يؤثر في صحة قول من ضعفه.
4-        لم يتعبدنا الله سبحانه بتقليد أو اتباع هؤلاء الأئمة دون غيرهم حتى نحرم الخروج على مذاهبهم
5-   من المعلوم أن السنة وكثير من العلوم الأخرى لم تدون وتضبط إلا بعد عصر الأئمة الأربعة، مما يعني احتمال فوات سنن عن هؤلاء الأربعة وعرفها غيرهم ممن عاصرهم -الحوادث الدالة على هذا كثيرة- أو عرفها غيرهم من الحفاظ الفقهاء الذين ندبوا أنفسهم لجمع السنة وتدوينها وبلغوا رتبة الاجتهاد، فكيف نسد على أنفسنا بابا لا يسعنا.
6-   ما المزية التي حازها الأربعة على غيرهم من الفقهاء المجتهدين المتقدمين عليهم والمتأخرين، وبعضهم لهم مذاهب.
7-   في هذا الضابط إهدار لمدارس فقهية أخرى لها أئمتها وفقهها وأصولها، مما يعني الإجحاف بحقهم وعلمهم، وطمس للثروة الفقهية التي نباهي بها الثقافات الأخرى.
8-   أننا وجدنا أقوالا خارج المذاهب الأربعة لها وزنها الفقهي الاستنباطي ومدركها القوي، والذي يربو أحيانا على ما ذهب إليه الأربعة.
9-   يؤيد هذا أننا وجدنا مجتهدين كبارا اختاروا أقوالا خارج هذه المذاهب ولم يردعهم كونها كذلك، ويكفي مثلا على ذلك كثيرا من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من هو علما وعملا، ولا نزكيه على الله.
10- يزيد في ضعف هذه الدعوى أن نقول: هل المراد بما عليه المذاهب الأربعة ما اعتمده المتأخرون من أقوال وروايات أئمة المذاهب وأصحابهم، أو يدخل في ذلك كل الأقوال والروايات، هذا إشكال.
11- فإن قلنا ما اعتمده المتأخرون فكيف نقدم أقوالهم واعتمادهم –وغالبيتهم مقلدين- على أقوال غيرهم من المجتهدين المشهود لهم بذل.
12-   وإن قلنا جميع والأقوال الروايات، عاد الأمر إلى ما ذكرنا سابقا من طلب الدليل على ذلك. 
13- ليس كل ما هو معتمد في مذهب ما منقولا عن إمام المذهب، بل هناك الأقوال المخرّجة على أقوال الإمام وقواعده وأصوله، أفيكون هذا القول أقوى ويحرم الخروج عليه من قول إمام مجتهد خرج على الدليل، أم أن الأصل هو العكس، نقول هذا في القضية عموما لا في ترجيح قول مجتهد على معتمد المذهب.
الضابط الثاني: ما خالف الإجماع:
وهذا ضابط له وجاهته بيد أنه غير كافي ولا يشمل أقوالا حكم عليها بعض الفقهاء بالشذوذ رغم عدم مخالفتها للإجماع.
ولهذا يمكن أن نضبطه بضابط وهو: ما خالف النص –وهو ما يقابل الظاهر- أو الإجماع، أو خالف قواعد الاستنباط.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015