ميزان التوقير المختل
إن تعظيم النبي ﷺ وتوقيره ليس
مسألة وجدانية محضة، ولا شعارًا عاطفيًا يُرفع عند المواسم، بل هو أصلٌ عقديٌّ راسخ،
ومقامٌ شرعيٌّ دلَّ عليه الوحي نصًّا، وأجمع عليه السلف فهمًا وتطبيقًا، وتفرّعت عنه
آثار الإيمان كلها. فالنبي ﷺ هو واسطة العقد بين السماء والأرض، وبه عُرفت حقيقة الله، وبه
استبان سبيل النجاة، وبه تمايزت الأخلاق عن العبث، والمعنى عن الضياع. ولذلك كان حقه
في التعظيم والاتباع آكد من كل حق، وأولى من كل قدوة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدࣰا وَمُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا * لِّتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ
وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، فقرن الإيمان به بتعزيره وتوقيره،
وجعل ذلك من لوازم الإيمان لا من كمالاته.
وقد تقرر عند أهل السنة أن تعظيم
النبي ﷺ أصلٌ جامع بين العلم والعمل؛ فمن عرف سنته حق المعرفة، ووقف على سيرته وقوف
الفقيه المتدبر، والعاقل المنصف، أورثه ذلك محبةً صادقة، وتعظيمًا واعيًا، واتباعًا
منضبطًا. إن الجهل بسنته، والاكتفاء بصورة مشوهة عنها، أو اختزالها في مظاهر سطحية
ذلك كله مما يضعف المحبة في القلوب، ويجعل الانتساب إليه انتسابًا باهتًا، وقد
يفضي – عند بعض ضعفاء الإيمان – إلى الاستحياء من الهوية الإسلامية ذاتها، لا لشيء
إلا لانقطاع الصلة الحقيقية بالنبي ﷺ علمًا واتباعًا.
والعجيب – بل المؤلم – أن ترى في
المقابل أناسًا يفخرون بقدوات فكرية وفلسفية، ويجاهرون بالانتساب إليها، ويُدافعون
عنها دفاع المتعصب، مع أن سِيَرَ أولئك الفلاسفة لا تخلو من تناقضات فكرية، ولا من
انحرافات سلوكية، ولا من نهايات مأساوية. فهذا نيتشه، الذي يُرفع اليوم في بعض
الأوساط رمزًا للتمرد والتحرر، انتهى به الأمر إلى انهيار عقلي كامل، وعاش آخر
سنيه في مصحٍّ للمجانين، وقد قامت فلسفته على نقض القيم، وتأليه القوة، وازدراء
الضعفاء، ومع ذلك تُتداول كلماته وكأنها حكم منزلة. وشوبنهاور، الذي شيد فلسفة
التشاؤم والعدم، وجعل الوجود عبئًا لا معنى له، ومع ذلك يُقدَّم بوصفه حكيمًا نافذ
البصيرة. وفوكو، الذي ارتبط اسمه بنظريات السلطة والمعرفة، ولم تخلُ سيرته من
انحرافات أخلاقية مشهورة، ومع ذلك يُحتفى به في الجامعات، وتُدافع أفكاره بحماسة.
بل لو رجعت إلى فلاسفة اليونان
الكبار، كأفلاطون وأرسطو وسقراط، لوجدت في تاريخهم الفكري قضايا كبرى محل نقد
واعتراض، بل وفي بعض آرائهم ما يصادم الفطرة والعدل، ومع ذلك قلّ أن تسمع قدحًا في
ذواتهم، أو تسفيهًا لمكانتهم، وإن وُجِد النقد فهو نقد أكاديمي بارد، لا سخرية فيه
ولا شماتة. بل لو تجرأ أحد على السخرية من أرسطو أو نيتشه، لصرخ عليه كثير من
المتأثرين بهم باسم “حرية الفكر” و”احترام الرموز”.
ثم انظر – بعين الإنصاف لا بعين
العصبية – إلى سيرة النبي ﷺ، فلن تجد فيها إلا كمال العقل، وتمام الخُلُق، واتزان الموقف،
ورحمة الإنسان، وعدل القائد، وصدق النبي. شهد له عدوه قبل صديقه، وأقر بفضله من لم
يؤمن به أصلًا، حتى قال هرقل – وهو على كفره – لما سُئل عن صفاته: “وكذلك الرسل لا
تكذب”. وقال أبو سفيان قبل إسلامه: “ما جربنا عليه كذبًا قط”. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، شهادة من رب العالمين لا يدانيها ثناء البشر.
ومع هذا كله، ترى من يسخر من النبي ﷺ، أو يهون من
شأنه، أو يتعامل مع سنته باستخفاف، إما جهلًا بحقيقته، أو تأثرًا بثقافة غربية جعلت
الفيلسوف المأزوم بطلًا، والنبي الكامل موضع تهكم. وهذا – في حقيقته – ليس إشكالًا
فكريًا مجردًا، بل خلل إيماني عميق؛ لأن من عرف النبي ﷺ حق المعرفة، استحال
عليه أن يقارنه بغيره، فضلًا عن أن يقدّم عليه أحدًا.
إن الأمة لا تُبتلى بقلة الفلاسفة،
ولا بندرة الأفكار، وإنما تُبتلى حين تجهل نبيها، وتغفل عن سنته، وتستبدل الذي هو
أدنى بالذي هو خير. وحين يعود المسلم إلى السيرة بعقل الباحث، وقلب المؤمن، وميزان
العدل، سيعلم يقينًا أن النبي ﷺ ليس مجرد شخصية دينية، بل هو أعظم نموذج إنساني عرفه التاريخ،
وأن تعظيمه ليس عاطفة ساذجة، بل موقف عقلي وأخلاقي وإيماني متكامل، لا يصح الإيمان
بدونه، ولا يستقيم العقل في غيابه.
الإيمان



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات