قيام الليل... إشراق الروح في عتمة الكون
جاء رجل إلى الحسن البصري يشكو عجزه عن القيام بالليل، فقال له الحسن كلمة قصيرة لكنها لخصت الداء والدواء: «ذنوبك قيّدتك». جملة واحدة لكنها تكشف سرًّا عميقًا: أن القلب إذا أثقلته الخطايا لم ينهض إلى الطاعة، وأن الليل لا يقوى على حمله إلا من خفّت روحه من تبعات الذنب.
قيام الليل ليس مجرد نافلة، بل هو
ميزان الصدق، وميدان الصفوة، وسبيل القربى إلى الله. قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلٗا
مِّنَ ٱلَّيلِ مَا يَهجَعُونَ﴾ [الذاريات:
17]، وقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلَّذِينَ
يَمشُونَ عَلَى ٱلأَرضِ هَونٗا...
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدٗا
وَقِيَٰمٗا﴾ [الفرقان: 63-64].
ولذلك كان السلف يرونه علامة حياة
القلب. قيل لأحد السلف: لو نمتَ ليلًا أجمعت قوتك. فقال: وكيف ينام من يخاف أن
يُنادَى بالندامة غدًا؟ كأن اليقظة في الليل كانت عندهم وقاية من غفلة النهار،
واستعدادًا للقاء المصير.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوم
من الليل فيوقظ أهله للصلاة، ويتلو قول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ
وَٱصْطَبِرْ عَلَیهَا﴾.
هكذا فهموا أن قيام الليل ليس مجرد
عادة جسدية، بل هو سرٌّ بين العبد وربه، يجود الله به على من طهرت سريرته، وصدق
قلبه، وانكسرت جوارحه بين يديه. لذلك قال النبي ﷺ: «أحب الصلاة إلى الله صلاة
داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» [متفق عليه].
إن قيام الليل مدرسة تهذيب، فيه خلوة
مع الله لا يراها الناس ولا يسمعها أحد. فيه يذوب الكبر، وتنكسر القلوب، وتتنزل
الرحمات. وفيه يحقق العبد معنى الإخلاص الذي لا يبتغي معه سمعة ولا رياء. قال بعض
السلف: قيام الليل شرف المؤمن.
فإذا ثقلت عليك ركعتان في آخر الليل،
فتذكر جواب الحسن البصري: ذنوبك قيّدتك. فافتح القيود بالتوبة، وجرب لذة المناجاة،
وستدرك أن ركعات يسيرة في ظلمة الليل، تساوي الدنيا بما فيها.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «ينزل ربنا
تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من
يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» [متفق عليه]. فهذا
نداء رباني لا يُسمع بأذن الجسد وإنما يُستشعر بنور البصيرة، ومن لبّاه امتلأ قلبه
نورًا لا يطفئه ظلام، ولا تسوؤه وحشة.
ولهذا قال بعض الحكماء: "من أراد
نور الوجه في الدنيا، ونور القلب في البرزخ، ونور الصراط يوم القيامة، فليداوم على
صلاة الليل". فالقيام مفتاح النور في الدنيا والآخرة، ومن جُعل له فيه نصيب
فقد وُفِّق لخير عظيم.
تزكية



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات