-->
»نشرت فى : الأحد، 19 أكتوبر 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

خطورة النكاح بلا توثيق على المرأة

 



     مع كثرة الفتن في هذا العصر، وضعف العلم بالدين، وسرعة الناس في اتخاذ قرارات مصيرية دون روية أو تأنٍّ، يقع كثير من الناس في أخطاء جسيمة قد تضرّهم في دنياهم وأخراهم. وأكثر من تتعرض لمثل هذه المآسي النساء، إذ قد تدفعهن العاطفة أو ضعف الخبرة أو الحاجة إلى اتخاذ قرارات غير محسوبة، فينتهين إلى مواقف شديدة الضرر عليهنّ.

     ومن أبرز تلك الأخطاء ما تفعله بعض النساء حين يتعجلن الزواج من رجل لا يعرفنه معرفة كافية، فتغتر إحداهن بمعسول كلامه أو بهداياه أو بمظهره الخارجي، فتتزوجه بلا وليٍّ ولا توثيقٍ شرعي، بل أحيانًا بلا عقدٍ مكتوبٍ أصلًا، ظنًّا منها أن النية الصادقة تكفي أو أن الأمر يسير، ثم لا تلبث أن تُفاجأ بأن هذا الرجل قد خدعها، فإذا به يفرّ منها بعد زمن من العشرة، ويتركها معلقةً لا هي زوجة ولا مطلقة.

     وقد عرضت إحدى النساء مثل هذه الواقعة، فقالت إنها تزوجت رجلًا خدعها بالكلام الطيب، فمكثت معه أشهرًا، ثم تركها وهجرها، فلما طلبت منه الطلاق رفض إلا بمقابل مالي ضخم لا تطيقه، وهي امرأة فقيرة لا تملك عُشره. فظلت ترجوه بالاتصالات والمراسلات دون جدوى، فلما رفعت دعوى قضائية للمطالبة بالطلاق، لم تُقبل دعواها لعدم وجود وثيقة نكاحٍ، إذ يشترط القاضي لإثبات الزواج وجود عقدٍ موثقٍ أو عقد عرفي في بعض الأنظمة، وبدونه لا تُنظر الدعوى، فوجدت نفسها في مأزقٍ شديد، فهي بلا زوج وعاجزة عن الزواج!

     ولهذا وجب التنبيه على خطورة التهاون في توثيق عقد النكاح، وعلى ضرورة أن يكون الزواج موثقًا رسميًّا بوجود الوليّ والإشهاد حفظًا للحقوق، وصيانةً للمرأة من الابتزاز والضياع. وفي بعض الدول توجد خدمات لتوثيق الزواج الذي من هذا النوع بأدلةٍ وقرائن، كالمراسلات الصوتية أو الكتابية، وشهادة الجيران أو من عاشروهما، فإذا ثبتت هذه القرائن حكم القاضي بثبوت النكاح، ثم للمرأة أن ترفع بعد ذلك دعوى الفسخ.

     والذي فعله ذلك الرجل من اشتراط مالٍ ضخمٍ ليطلّقها ظلمٌ بيّن، يدخل في أكل أموال الناس بالباطل، والله تعالى يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وبما أنها زوجته فإن تصرفه هذا مخالف لقوله سبحانه: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وليس من العشرة بالمعروف أن يهجرها أو يبتزها أو يلجئها إلى القضاء لتطالب بحقها أو الفكاك منه!

     ومن الحكم العظيمة في اشتراط وجود الولي في النكاح أن الوليّ يتثبت من صدق الرجل ومروءته ودينه، فلا تنخدع المرأة بمن يحسن الكلام أو يتصنع الأخلاق. فكثير من ذوي النفوس الخبيثة يتخذون الزواج ستارًا لابتزاز النساء، فهم يلهون فترة من الزمن معهن ثم يستولون على أموالهن، وقد يتركونهن بعد ذلك معلّقات.

     وهذه الصورة ليست جديدة، بل عرفها الفقهاء قديمًا، وناقشوا مسائل قريبة منها، كمسألة ما إذا أعسر الزوج بالنفقة ولم تجد الزوجة قاضيًا ترفع إليه دعواها، فهل يجوز لها أن تفسخ النكاح بنفسها؟

     نصّ الشافعية على أن لها رفع الأمر إلى قاضٍ وإلا فمحكم، ولا تستقل بالفسخ إلا عند تعذر وجودهما، وذكر النووي في الروضة أنه إذا لم يوجد قاضٍ ولا محكم، فلها أن تستقل بفسخ النكاح، ثم تتزوج بعد ذلك، لأن بقاءها معلّقةً ظلمٌ لا يقره الشرع.

     وعليه، فإذا كانت المرأة في دولة لا تُنصفها القوانين أو لا توجد فيها جهةٌ تنظر في مثل حالتها، فلها أن تنتقل إلى بلد فيه أنضظمة أو قوانين تحل لها إشكالها فإن تعذر هذا او عجزت بحثت عن محكم ذا وجاهة يفسخ نكاحها، فإن تعذر هذا كله استقلت بفسخ النكاح، ولا سبيل للزوج في هذه الحال إلى إقامة دعوى ضدها، لعدم ثبوت النكاح نظامًا.

     والخلاصة: أن التهاون في توثيق عقد النكاح يفتح أبواب الظلم والضياع، وأن اشتراط الوليّ والإشهاد والتوثيق ليس تعقيدًا للزواج، بل حفظٌ للحقوق وصونٌ للأنساب، وأن على النساء أن يتقين الله، وألا يندفعن وراء العاطفة، وأن لا يثقن بمن يتلاعب بالدين أو يستغل طيبة القلوب في ارتكاب الحرام باسم الحلال.


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015