حصون الصباح والمساء
من
فضل الله تعالى على عبده المؤمن أن شرع له أذكارًا في الصباح والمساء تعينه على
مواجهة أعباء الحياة ومشاقّها، وتحفظه من شرور الشيطان، ومن غوائل النفس وطغيانها.
وهذه الأذكار سياجٌ منيعٌ يحوط العبد من كل سوء، ويغذّي قلبه بالإيمان، ويملأ يومه
حضورًا لله وارتباطًا به.
والناس
في تعاملهم مع هذه الأذكار أصناف:
-
فمنهم
من يُكثر الذكر في الصباح والمساء، فيجمع كل ما ورد من الأذكار، سواء كانت صحيحةً
أو ضعيفةً أو حتى موضوعة، غافلًا عن التمييز بين مراتبها.
-
ومنهم
من يقتصر على ذكرٍ واحد أو ذكرين، ويبحث عن الأفضل منها ليجعلها وردًا دائمًا له.
-
وصنفٌ
ثالث متوسّط، يحرص على الاقتصار على ما ثبت في السنة، ويأتي ببعض ما ورد فيها دون
استيعاب الجميع. وهؤلاء –
مع تفاوت مراتبهم –
يجمعهم في الغالب التزامهم بالأذكار الصحيحة المأثورة.
وقد
دار بيني وبين بعض أهل العلم نقاش في مسألة دقيقة، وهي: لو أن شخصًا أراد الاقتصار
على ذكرٍ واحدٍ في الصباح والمساء يكون كافيًا له، فما هو؟
فقال الشيخ: إنه بحث هذه المسألة من قبل، ووجد أن
أذكار الصباح والمساء تنقسم إلى ثلاثة أنواع:: أذكارٌ تتعلق بالحمد والثناء،
وأذكارٌ تتعلق بالحفظ والوقاية، ونوعٌ ثالث –
نسيه في تلك اللحظة –
وأشار إلى أن الأولى بالمسلم، إذا أراد الاقتصار، أن يُنوّع فيأتي بشيءٍ من أذكار الحمد،
وشيءٍ من أذكار الحفظ، وشيءٍ من النوع الثالث، ليُدرك مقاصد الأذكار جميعًا، وينتفع
بثمراتها المتنوعة.
فقلتُ
له: لا مانع من التنويع، لكن يمكن أيضًا اعتماد معيار الفضيلة الخاصة التي ورد بها
النص. فمثلاً، في الحديث الصحيح: «من قرأ آخر آيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه»
فقول النبي ﷺ «كفتاه» دليل على الكفاية التامة، وهي تجمع بين الذكر والثناء
والحفظ. وكذلك في الصباح، ورد الذكر العظيم: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا
نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، وهو حديثٌ صحيح، جامع لمعاني التسبيح والتعظيم
والثناء.
غير
أن الشيخ لم يرتضِ هذا المسلك، ورأى أن التنويع أولى، بحيث يأتي المسلم من كل صنفٍ
من الأذكار بضربٍ أو أكثر، تحقيقًا للتنوّع المأثور في السنة، واستيعابًا لمعاني
العبودية المختلفة. ثم ذكر أن بعض النساء الصالحات يجلسن بعد الفجر إلى ما شاء
الله يقرأن كتاب حصن المسلم كاملًا، مع أن فيه أحاديث ضعيفة، وبعض الأذكار خاصة
بالصباح دون المساء أو العكس.
فقلت:
أليس قد ثبت في حديث زينب –
رضي الله عنها – أنها جلست تذكر
الله من بعد الفجر حتى قاربت وقت الضحى، ولم يُنكر عليها النبي ﷺ ذلك؟ قال: بلى، لكن
زينب كانت تذكر الله بالأذكار الثابتة عنه ﷺ، لا بكل ما وُجد في الكتب من رواياتٍ ضعيفة
أو غير صحيحة.
وعلى
كل حال، فإن ذكر الله تعالى في ذاته فضلٌ عظيم، واستغفار العبد تسبيحًا وتهليلًا
وتحميدًا من أعظم القربات، كما في الحديث الصحيح: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر
الله». ولذلك، ينبغي للمسلم أن يحرص على أذكار الصباح والمساء، ليستقبل يومه
ومساءه بقلبٍ عامرٍ بالإيمان، مطمئنٍّ بالذكر، محفوظٍ بعناية الله، متذللٍ لربه،
مستشعرٍ عبوديته ولجوءه إليه.
وليحرص
على الأذكار الصحيحة الثابتة، فإن بقي له متّسع من الوقت، فلا بأس أن يذكر الله
بألفاظٍ حسنةٍ لم يرد فيها فضلٌ خاص، بشرط ألا يعتقد أنها سنّةٌ بعينها. فإن الذكر
المشروع أوسع من المأثور، ما دام لا يتضمّن مخالفة شرعية. ومن الأدلة على ذلك ما
ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول بعد رفعه من الركوع: (ربنا لك
الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما تشاء وترضى)، فلم يُنكر عليه، بل أقرّه،
وقال: (رأيتُ بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول).
فدلّ
ذلك على سعة باب الذكر، وأن فضل الله واسع، وأن من وفقه الله لدوام الذكر فقد فُتح
له باب من أبواب الجنة في الدنيا، والحمد لله رب العالمين.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات