-->
»نشرت فى : الأحد، 19 أكتوبر 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مولد البدوي .. خرافة باسم الدين

 


لقد فاجأتنا اليوم وسائل التواصل بمشاهدَ عجيبةًوغريبة ما كنت أتصوّر أن أراها في هذا العصر الذي عمّ فيه التعليم، وانتشرت فيه السُّنّة، وزالت كثيرٌ من ظلمات الجهل والخرافة. كانت هذه المقاطع لما يُسمّى بـ«مولد أحمد البدوي» في مصر، وفيها يظهر رجالٌ ونساءٌ يسجدون لضريح هذا الرجل، ويستغيثون به، ويدعونه من دون الله تعالى، في مشاهد يندى لها الجبين، وقد اجتمع في ساحة المسجد أعدادٌ هائلة، قدّرها بعضهم بما يزيد على المليون، وإن كان هذا الرقم مبالغا فيه، إلا أنّ الواقع أنّ الجمع كان غفيرًا جدًا، خليطًا من الرجال والنساء، والشباب والشيوخ، يرقصون ويأكلون، وقد اختلط فيهم الهزل بالجد، والبدعة بالوثنية.

رأيتُ في تلك المقاطع أُناسًا يلبسون أزياء غريبة، ويؤدّون رقصاتٍ عجيبةً تُضحك الناظر وتُبكي العاقل؛ حركاتٌ أقرب إلى الجنون منها إلى التعبّد، بل إنّ بعضهم يرقص رقصًا يُشبه رقص النساء، فيحرّك وسطه، ويضع العصا على رأسه، ويهزّ يديه على الجانبين في مشهدٍ مزرٍ لا يليق بعاقلٍ فضلاً عن مسن منتسبٍ إلى الإسلام! والأعجب من ذلك أنّ بعض أصحاب العمائم من خرّيجي الأزهر، ومن كبارهم سنًأ ، كانوا يشاركون في هذا الباطل، ويشجّعون الناس عليه، ويحثّونهم على فعله.

وحين شاهدتُ هذه المناظر، تذكّرت ما كنت أقرؤه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما من الأئمّة، من كلامٍ في بدع الصوفية وما أحدثوه من خرافاتٍ وضلالاتٍ وشركيات. ولطالما قرأ كثيرون من طلاب العلم تلك التحذيرات، فاستغربوا شدّة لهجة العلماء، وربما قال بعضهم: لعلّهم غلوا في التحذير من التصوف وأهله. ولكن حين ترى هذه المشاهد بعينك، تعلم يقينًا أنّ ما قاله العلماء إنما هو غيضٌ من فيض، وأنّ الواقع أفظع مما وصفوه، وأنّ ما حذّروا منه لم يكن تشدّدًا، بل بيانًا للحقّ كما هو.

ولعلّ من أعظم أسباب هذا الانحراف تقصيرُنا نحن ـ طلابَ العلم وأهلَ الدعوة ـ في بيان السُّنّة وتعليم الناس أصول الدين، ونشر علوم الكتاب والسنة في عموم الأمة، حتى يُخرَج الناس من ظلمات الجهل والبدعة والوثنية إلى نور التوحيد والسنة والحقّ.

إنّ على العلماء وطلاب العلم واجبًا عظيمًا، ومسؤوليةً جسيمةً في هذا الباب، وهي البلاغ والبيان، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، فما انتشرت البدع والضلالات، ولا حُرِّفت الكتب، ولا رُوّج للباطل في أيّ أمة، إلا حين سكت علماؤها وارتفع صوت الجهلة والمبتدعة فيها، حتى غدا الباطل في أعين الناس حقًّا، والحقّ باطلاً.

وأمّة الإسلام وإن كانت محفوظةً من أن يزول عنها الحقّ بالكلية، فإنّ نور الحقّ قد يخفت حينًا، لكنه لا ينطفئ، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة»، فواجبُ الوقت أن ينهض العلماء وطلاب العلم بالبيان، وأن يوضحوا للناس معالم التوحيد، قبل أن تبتلعهم ظلمات الشرك والبدعة!


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015