خسوف القمر وخرافات الجهل
الليلة هي الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1447
للهجرة، الموافق للسابع من سبتمبر عام 2025 للميلاد، خسف القمر خسوفًا كليًّا،
فصلّى الناس صلاة الخسوف، وتذكرت ما كنت أراه في صغري من الجهل الذي كان يغلب على
كثير من الناس، وخصوصًا في القرى والمناطق النائية، واذكر أن جدتي -رحمها الله-
كانت تخرج طستًا فيه ماء، وتضعه في فناء المنزل، وتقول: "حتى يبرد
القمر"، إذ لم يكونوا يعلمون ما تعنيه هذه الظاهرة، ولم يعرفوا ما ورد في
السنّة النبوية من مشروعية صلاة الخسوف.
وقد غلب الجهل آنذاك، لا سيما في بلادنا، فقلّ من
يعرف القراءة والكتابة، وندر من يعلم الناس دينهم، وكان العلماء والدعاة قلة،
ولهذا شاع الجهل وانتشر، حتى إن بعض الناس لا يعرف من الدين إلا القليل، بل لا
يكاد يفرق بين المعروف والمنكر.
وأذكر مما يُروى في هذا الباب، ما حدثنا به الشيخ
عبد المجيد الزنداني -حفظه الله- عن محنة وقعت له في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي،
لما كان الأخير متأثرًا بالفكر الناصري، فطارَد بعض العلماء والدعاة، وضيّق عليهم،
وكان الشيخ عبد المجيد ممن خرج من العاصمة إلى "الجوف" فرارًا بدينه.
وفي إحدى الليالي وهو جالس مع شيخ إحدى القبائل
(وهي قبيلة "آل بو جباره") وكان في حماه، خسف القمر، فإذا بالشيخ القبلي
يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، مات ابن الله!"، فتعجّب الشيخ عبد
المجيد وقال: "أعد، ماذا قلت؟"، فأعادها الرجل، فقال له الشيخ:
"أعوذ بالله، كيف تقول هذا؟"، فرد عليه: "هكذا تعلمنا، أن الشمس
إذا خسفت، فهذا دليل على أن ابن الله قد مات". فقام الشيخ عبد المجيد ببيان
العقيدة الصحيحة، وعلّمه التوحيد، وكانت هذه المحنة منحة لأهل تلك المنطقة، الذين
لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي، ولا معرفة بالسنة.
وقد كانت هذه الظواهر منتشرة في كثير من القرى
والبوادي، داخل الجزيرة العربية وخارجها، حيث الجهل عام، والعلم نادر.
واذكر أنه في أواخر التسعينات الميلادية، خرجنا في
رحلة دعوية مع طلاب جامعة الإيمان إلى بعض مناطق محافظة "أبين"، فأخبرنا
أحد الإخوة أن هناك قرية نائية لا يعرف أهلها الإسلام، وأن الرجل منهم يتزوج أخته
من الرضاعة ويقول: "هو أولى بها"، وإذا قيل لأحدهم: "صلِّ على
محمد"، قال: "ومن محمد هذا؟". ولم يكن يصل إليهم أحد من الدعاة،
بسبب وعورة الطريق.
ثم بعد سنوات زرتُ المحافظة، وسألت عن تلك
المنطقة، فقيل: قد شُقّت الطرق إليها، وبلغها الدعاة، وتعلم الناس فيها أمور
دينهم، فالحمد لله على نعمة الهداية.
ومن الرحلات الدعوية التي وقفنا فيها على عجب، ما
حدث في أوائل الألفية الثالثة، حين خرجت مجموعة دعوية إلى بعض قرى محافظة المهرة،
لإقامة المحاضرات والدروس، فوجدوا الناس هناك لا يعرفون الفاتحة، ولا كيف يُصلّون،
نعم كان في القرية مسجد لكنه مغلق لا يُصلى فيه. فقسمت المجموعة نفسها، وتولى كل واحد
تعليم اثنين أو ثلاثة من أهل القرية الفاتحة والصلاة، وفتحوا المسجد وأقاموا فيه
الصلاة.
وقيل لنا حينها إن جماعة التبليغ كانت تزورهم بين
حين وآخر، وتفعل مثل ذلك، يعلمون الناس الصلاة، ثم إذا مضى الوقت، وعاد الدعاة إلى
مناطقهم، عاد أولئك القوم إلى ما كانوا عليه.
نسأل الله أن يكون حالهم قد تغيّر، وأن يثبّتنا
وإياهم على الهدى، فإن العلم الشرعي هو حياة القلوب، وبدونه يتيه الناس، وتختلط
عليهم السبل، ويقعون في الشرك والبدع والجهل، من حيث لا يشعرون.
عام


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات