-->
»نشرت فى : الاثنين، 7 أبريل 2025»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الروحية الحديثة


 



الروح في القديم:

مسألة الروح من القضايا التي شغلت العقل البشري منذ أقدم العصور، غير أن الله تعالى حسم هذا الباب بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

ورغم هذا البيان الإلهي القاطع، فإن كثيرًا من الانحرافات الفكرية والبدع التي أضرت بالدين والعقل البشري على السواء ارتبطت بمفاهيم الروح، ففي العصور القديمة، سادت معتقدات تتصل بالسحر والخرافة، مثل الاعتقاد بأن للحروف أو الأرقام أرواحًا خفية، أو أن للأفلاك والكواكب أرواحًا تؤثر على مصائر البشر، وهي عقائد تعود جذورها إلى الفلسفة الإغريقية، خصوصًا لدى أفلاطون وأتباعه، الذين نسبوا للكون نفسًا عاقلة تُحرّك الكواكب وتوجه الأحداث، وقد تسربت هذه التصورات حتى إلى بعض من يُنتسبون إلى العلم والفلسفة الإسلامية في عصور الانحطاط.

وهذه المحاولات كانت في جوهرها تعبيرًا عن رغبة الإنسان في اختراق عالم الغيب بوسائل لا تملك سندًا من عقل ولا نقل، وكانت غالبًا ما تؤول إلى أوهام وأوهام مضادة.

وفي العصر الحديث، تجددت هذه النزعة في أشكال جديدة، تتخفى أحيانًا في أثواب روحية أو علمية، مثل ما يُعرف بـ"الريكي" و"اليوغا" في نسخها غير الرياضية، حيث يتم الترويج لفكرة "الطاقة الكونية" أو "طاقة الحياة" بوصفها روحًا خفية يمكن التحكم بها وتوجيهها، وهي مفاهيم متجذرة في الديانات الشرقية كالبوذية والهندوسية، ولا تزال تُستخدم شعارات مثل "الوعي الكوني" و"اتحاد الروح بالطبيعة" في إطار فلسفات ظاهرها التأمل والسلام النفسي، وباطنها اعتقادات تتجاوز حدود العلم والتوحيد.

الطاقة الخيرة والطاقة الشريرة

لا شك أن في الإنسان والكون طاقات مكنونة، ولكن لا بد من التمييز بين نوعين من هذه الطاقة:

  • الطاقة الخيّرة: وهي التي تنسجم مع السنن الكونية التي أودعها الله تعالى في خلقه، كالطاقة الحيوية التي يستخدمها الإنسان في العمل والبناء، والطاقة النفسية التي ترتبط بالإرادة والعزيمة، وقد أشار الشرع إلى أثرها من خلال مفاهيم مثل "التوكل"، و"العزيمة"، و"قوة الإيمان".
  • أما الطاقة الشريرة: فهي تلك التي يُروّج لها على أنها "كونية" مكتسبة من تفاعل الإنسان مع قوى غير مرئية يُقال إنها مستقلة عن الخالق، وهذا زعم باطل؛ إذ إن الاعتقاد بأن الكون يمنح طاقة خارقة أو قدرات فائقة هو من باب الشرك الخفي، وغالبًا ما يكون مدخلاً للشيطنة أو السحر، وإن سُمّي بأسماء براقة.

وإذا تأملنا بعض المقاطع المنتشرة على منصات مثل "يوتيوب"، وجدنا نماذج لما يُزعم أنه "طاقة مكتسبة بالتدريب"، حيث يظهر أشخاص يحرّكون آخرين أو يؤثرون فيهم عن بُعد بمجرد الإشارة، وهذه المظاهر في حقيقتها ليست سوى خِدع، أو في أسوأ الأحوال، شعوذة ترتبط بالاستعانة بالشياطين.

وفي هذا السياق، يجدر الإشارة إلى أن بعض الطوائف البوذية تنقسم إلى فريقين:

  • فريق يؤمن بوجود قوى عليا أو إلهٍ من نوعٍ ما.
  • وفريق آخر ملحد يرى أن المثال الأعلى هو بوذا نفسه، لا بوصفه إلهًا، بل نموذجًا يُحتذى به في صفاء الروح وتجاوز الألم، وهو ما يُعرف بـ"النيرفانا".

ومن هنا، فإن ما يبدو للبعض من أعمال خارقة يقوم بها هؤلاء الأفراد، كأن يُشار بيد أحدهم فتتطاير أمامه مجموعة من الناس، أو يتراجع خصومه بمجرد نظرة، إنما هو من قبيل السحر أو الخداع البصري أو الاستعانة بالجن، وليس "كرامات" كما يتوهم بعض البسطاء أو الملاحدة الذين لا يؤمنون بالوحي فيفسرون الغيب بأدوات حسية لا تكفي لذلك.

ظهرت في العصر الحديث حركة تُعرف بـ"الروحية الحديثة"، وهي وإن وُصفت بالحداثة، إلا أن جذورها تعود إلى قرون سابقة، لكنها اتخذت في الوقت الراهن طابعًا منظمًا من خلال نوادٍ وتجمعات ومجلات ومراكز أبحاث، بل وأحيانًا تتخفى في ثوب العلم.

تمثل هذه الحركة مزيجًا من النظريات الباطنية والخرافة، وتضم طوائف متباينة يجمعها اعتقاد مشترك بأن الروح خالدة حية لا تفنى، وأن الفناء يطرأ على الجسد وحده، ومن هذا المنطلق، يزعم أتباع هذه الفكرة أنه يمكن التواصل مع الأرواح بعد الموت عبر وسائل مثل "تحضير الأرواح"، وأن ذلك يمكّن الإنسان من الوصول إلى معارف غيبية تتجاوز حدود الإدراك البشري.

ويختلف هؤلاء في تصوراتهم حول "مقر الأرواح"، فبعضهم يعتقد أنها تعيش في "البعد الرابع"، وآخرون يقولون إنها تقيم في أبعاد كونية أخرى. وقد شاع في أوساطهم حديث متكرر عن وجود ستة عشر بعدًا كونيًا، لا نُدرك منها إلا أربعة: الأبعاد المكانية الثلاثة والزمن، بينما تُترك بقية الأبعاد لما وراء الإدراك.

من هذا الباب، يربط بعضهم بين هذه الأبعاد ووجود الأرواح، ويفسرون ظواهر غامضة عبر هذا الفرض. وهذه التصورات، وإن لبست لبوس النظريات الفيزيائية أحيانًا، فإنها في حقيقتها تأويلات ميتافيزيقية لا تستند إلى يقين علمي.

أما من المنظور الإسلامي، فلا يُستبعد من حيث الأصل العقلي أن يكون للجن والشياطين نطاق وجود مختلف عن نطاق البشر، وأن يعيشوا في عوالم أو "أبعاد" غير مرئية لنا، لاسيما وأن النصوص الشرعية تثبت تميزهم بخصائص تتجاوز القدرات البشرية، كالاختفاء والانتقال السريع والتشكل، فنحن نعيش في عالم محدود بقوانين مادية، بينما هم في عالم آخر، له نظامه وخصائصه، وقد تكون طبيعة وجودهم متعلّقة بأبعاد لا ندركها نحن.

تكمن الخطورة في "الروحية الحديثة" ليس فقط في انحرافها عن حقائق الوحي، بل في أنها تفتح الباب لتأليه الأرواح، أو تعظيم قوى غيبية مجهولة، وتقديمها على أنها مصادر للمعرفة والهداية، وهذا انحراف خطير يضرب أساس العقيدة، إذ يجعل الإنسان يستمد تصوراته عن الغيب والوجود من كيانات يُزعم أنها أرواح أو طاقات، دون مرجعية للوحي أو للنبوة.

ويزداد الأمر خطورة حين تتسلل هذه الأفكار إلى المجتمعات تحت مظلة "العلم" أو "الطاقة الكونية"، فتُروج على أنها تجارب إنسانية أو ممارسات صحية، بينما هي في حقيقتها امتداد للشعوذة القديمة التي تعيد إنتاج الوثنية بأسماء جديدة.

إن الإيمان بالغيب، في المنهج الإسلامي، قائم على التسليم لله تعالى وحده، والإذعان لما أخبر به في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ. وأي محاولة لاختراق عالم الغيب بوسائل غير شرعية هي في الحقيقة تزيين شيطاني يلبس الباطل ثوب الكشف والمعرفة. ومن هنا، فإن الروحية الحديثة وما يدخل تحتها من تحضير الأرواح، والإيمان بالأبعاد التي تسكنها الكائنات الغيبية هي مسلك خطير قد يُفضي إلى الشرك، أو يُفسد التصور الصحيح للغيب والنبوة والوحي.

أما القول بأن الروح تسكن في "بعدٍ آخر"، فهو قول باطل من حيث العقيدة والمنهج، إذ الثابت أن الأرواح، بعد مفارقتها للأجساد، لا تنتقل إلى "أبعاد كونية" بالمفهوم الفلسفي أو الفيزيائي، وإنما تظل في نطاق الحياة البرزخية، وهي حياة غيبية أثبتها الوحي، ولا تُدرك بالحواس، وإن كانت قريبة من عالمنا. فهي لا تفنى ولا تغيب في "بعد مجهول"، وإنما تبقى في عالم برزخي قائم، تحيا فيه الروح في صورة من صور النعيم أو العذاب، بحسب ما كانت عليه في حياتها الدنيا.

تناسخ الأرواح

وقد خلط بعض أصحاب المذاهب الشرقية والمذاهب الروحية بين الحياة البرزخية وعقيدة "تناسخ الأرواح"، وهي عقيدة باطلة تمامًا، يعتقد أصحابها أن الروح لا تموت، بل تنتقل من جسد إلى جسد آخر. فإن كانت روحًا صالحة بزعمهم عادت في جسد إنسان ثري أو صاحب جاه وسعادة، وإن كانت روحًا آثمة، انتقلت إلى جسد فقير، أو أحيانًا إلى جسد حيوان يعاني الذل والألم. وهذه النظرة تُعدّ تحريفًا لحقيقة البعث والحساب، وتؤدي إلى إنكار اليوم الآخر، وتفريغ الحياة من معناها الأخروي.

والقول الصحيح أن الروح تُكرم أو تُهان بعد الموت بحسب ما قدمت في الحياة الدنيا، دون أن تعود إلى الدنيا أو تتناسخ في أجساد مخلوقات أخرى. وهذا ما دلّ عليه الكتاب والسنة، وهو ما يعكس عدل الله وحكمته في الجزاء الأخروي.

ويستدل أنصار عقيدة تناسخ الأرواح على قولهم بظاهرة يصفها الناس عادة بقولهم: "كأنني عشت هذا الموقف من قبل"، وهي ما يُعرف في علم النفس بتجربة "الديجا فو" (Déjà vu)، حيث يشعر الإنسان، عند مشاهدة موقف أو لقاء شخص ما، بأنه مرّ بهذا المشهد سابقاً أو أن هذا الشخص ليس غريباً عنه، رغم علمه بأنه يراه لأول مرة.

أنصار التناسخ يفسرون هذه الظاهرة بأنها دليل على حياة سابقة عاشها الإنسان، ويزعمون أن تلك الذاكرة المتبقية انتقلت معه من جسد إلى آخر. غير أن هذا التفسير لا يستند إلى دليل علمي أو شرعي، بل هو محض افتراض فلسفي لا تثبته التجربة ولا يدعمه الوحي.

أما التفسير الذي يقدمه بعض علماء النفس، فيقوم على أن الدماغ أحياناً يُخزّن مشهدين متماثلين في لحظة واحدة نتيجة خلل بسيط في توقيت معالجة الصور في الفص الصدغي، مما يجعل الشخص يظن أنه رأى ذلك المشهد من قبل، في حين أن ما يحدث هو تكرار داخلي لحظي للصورة، وليس تجربة سابقة حقيقية.

وهناك تفسير آخر أورده بعض العلماء المسلمين كابن القيم رحمه الله، وهو أن الروح أثناء النوم تنفصل جزئياً عن الجسد وتسيح في عالم الملكوت، وقد تطّلع في تلك الحالة على بعض المشاهد أو الأحوال التي تصادفها لاحقاً في اليقظة، فيظن الإنسان حينها أنه قد عاش الموقف سابقاً. وهذا التفسير يستند إلى قوله تعالى: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا" [الزمر: 42]، لكنه يبقى اجتهاداً، ولا يمكن الجزم بما ذُكر عن اطلاع الروح على تفاصيل من اللوح المحفوظ، لعدم وجود دليل صريح على ذلك.

وعليه، فإن هذه الظاهرة وإن كانت محيّرة لا تصلح أن تكون دليلاً على صحة فكرة تناسخ الأرواح، إذ يمكن تفسيرها بوسائل عقلية ونفسية وشرعية دون اللجوء إلى العقائد الباطلة.

الإسقاط النجمي

من جهة أخرى، يتبنّى كثير من المنتمين إلى المدرسة الروحية الحديثة بل يكاد يكون ذلك عقيدة عامة لديهم ما يُعرف بالإسقاط النجمي. ويقصدون به قدرة الإنسان، بحسب زعمهم، على إخراج روحه بإرادته لتجول في الأرض وتطّلع على أمور خفية أو غيبية، ثم تعود الروح إلى الجسد دون ضرر.

ويُروّج لهذا المفهوم من خلال دورات تدريبية، وكتب، ومقاطع مرئية، تشرح طرقاً يُزعم أنها تمكّن الفرد من خوض هذه التجربة. ومن أبرز هذه الطرق: اختيار مكان هادئ، والاسترخاء الكامل، والاستلقاء على الظهر، والتركيز المتتابع على أجزاء الجسم، حتى يبلغ الإنسان ما يسمونه بـ"مرحلة الغفوة"، وهي حالة بين النوم واليقظة. ويُعتقد عندئذ أن الروح تنفصل جزئياً عن الجسد، وتتحرك بحرية في عوالم غير مرئية.

ويُلاحظ أن هذا الادعاء يشبه ما كان يُعرف في بعض المجتمعات القديمة بما يسمى "المسفلة"، وهي طقوس يدّعي أصحابها القدرة على الاتصال بعالم الأرواح ومعرفة مصير الموتى أفي الجنة هم أم في النار مقابل المال. وكان هؤلاء يزعمون نزولهم إلى "السفل"، وهو موضع يُظن أنه يرتبط بعالم الحيوانات أو الأرواح الدنيا، حيث يمكثون فيه برهة ثم يعودون محمّلين برسائل من الموتى، يروون فيها تفاصيل عن أحوالهم بعد الموت، أو يتحدثون عن صفاتهم الدنيوية، كأن يقولوا: "فلان كان يكرم الضيف ويقدم الشاي"، ونحو ذلك من الأوصاف التي يُراد بها إقناع المستمع بصدق الرواية.

لكن هذه الممارسات قديماً وحديثاً تقوم على الوهم أو التلاعب، بل قد تتداخل أحياناً مع أعمال شعوذة أو استحضار للجن، فيُلبس الأمر على الناس. وهي تفتقر إلى أي دليل عقلي أو شرعي، بل تتعارض مع أصول الاعتقاد الصحيح، الذي ينفي إمكان الاطلاع على الغيب أو مفارقة الروح للجسد بإرادة الإنسان، خارج ما قد يقع عرضاً في النوم أو عند الموت.

وقد تطورت هذه الممارسات لاحقًا وظهرت في أشكال عصرية تحت مسمى "الإسقاط النجمي"، مع اختلاف في طريقة العرض لكنها تحتفظ بجوهر الفكرة، وهي الادعاء بأن الروح قادرة على مغادرة الجسد والتجوال في عوالم ما وراء الطبيعة، ثم العودة إليه. وتُقدّم هذه الفكرة اليوم عبر كتب ودورات ومحتويات رقمية، توهم المتلقي بإمكانية خوض هذه التجربة بضوابط محددة.

التنويم المغناطيسي

من الظواهر المرتبطة بهذه المنظومة أيضاً: التنويم المغناطيسي، والذي يُقدَّم في بعض الأوساط بوصفه وسيلة للاتصال بالأرواح. ففي هذا السياق، يُؤتى بشخص ويُنوَّم مغناطيسيًا ليصبح في حالة وعي جزئي، ثم يُعطى قلماً وأوراقاً، ويُطلب منه الإجابة على أسئلة محددة. ويُزعم أن الأجوبة التي يدوّنها ليست من عقله الواعي، بل هي صادرة بزعمهم عن روح "حضرت" في تلك اللحظة واستقرّت فيه مؤقتاً. وهذا في تصورهم شكل من أشكال الاتصال بالعوالم غير المنظورة، وإن غُلّف بمصطلحات علمية أو نفسية.

غير أن هذا الاستخدام للتنويم المغناطيسي يخرج عن إطاره العلاجي المعروف في بعض الأوساط الطبية والنفسية، ويتحول إلى أداة لترويج معتقدات غير موثوقة، بل تتعارض مع أصول الدين والعقل، لاسيما حين يُنسب إلى الروح أفعال لا تثبت إلا بالدليل القطعي، ويُدّعى أن الإنسان يمكنه التصرّف في الروح كما يشاء.

تحضير الأرواح:

ومن أبرز مظاهر الروحية الحديثة ما يُعرف بتحضير الأرواح، وهي ممارسة تُشابه في ظاهرها ما يُعرف بالإسقاط النجمي والتنويم المغناطيسي، غير أنها تعتمد على وسيط بشري يُنَوَّم مغناطيسيًا حتى يبلغ حالة بين الوعي واللاوعي، ليصبح بحسب زعمهم قادرًا على استقبال أرواح الموتى والتحدث بلسانهم.

وفي هذه الجلسات، يَدّعي الوسطاء أنهم يستحضرون روح شخصية معينة، كأن تكون زعيمًا سياسيًا أو شيخًا دينيًا مشهورًا، ثم يبدأ الوسيط في نقل أقوال وأحداث يُقال إنها على لسان هذه "الروح". ويصل الأمر إلى أن يتحدث الوسيط عن وقائع حقيقية عاشها المتوفى، بل قد يذكر تواريخ وأسماء وأماكن دقيقة، مما يُثير دهشة الحاضرين، خاصة إذا كان فيهم من يعرف تلك الأحداث.

غير أن هذه الظاهرة لا تعدو أن تكون خداعًا عقليًا، لأن الذي يتحدث في الحقيقة ليس روح الميت، بل هو "القرين" أو الشيطان المصاحب له في حياته الدنيا، والذي يحتفظ بكمٍّ من المعلومات الدقيقة عن صاحبه. أما الروح البشرية، فهي بعد الموت تنتقل إلى عالم البرزخ، فإما أن تكون في "عليين" إن كانت من أهل الخير، أو في "سجين" إن كانت من أهل الشر، ولا يمكن لها العودة إلى الدنيا ولا التواصل مع الأحياء.

وقد أشار الشيخ محمد عبده إلى هذه الحقيقة حين حضر بنفسه جلسة لتحضير الأرواح في فرنسا، فلما ذُهل الحاضرون من دقة ما ينقله الوسيط عن "الروح"، قال لهم: "هذا ليس روحًا بل هو شيطان، لأن الأرواح في عالم آخر، لا تعود إلى الدنيا".

قد يتساءل البعض، وهو سؤال يتكرر كثيرًا: لماذا تنتشر الشعوذة والخرافة في المجتمعات الإسلامية، على الرغم من وجود القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما لا تبدو بنفس الحدة في المجتمعات الغربية؟

والجواب أن هذا التصور غير دقيق؛ فبالرغم من التقدم المادي والتقني الملحوظ في الغرب، فإن الخرافات والممارسات الروحية الباطنية منتشرة هناك أيضًا، بل وتُمارس تحت مظلة البحث العلمي أحيانًا، وتُدرس في معاهد وأكاديميات متخصصة. في الولايات المتحدة، يوجد "المعهد الأمريكي للبحث الروحي"، وفي بريطانيا تُشرف جامعة لندن على أكبر مختبر بحثي في هذا المجال. كما تنتشر معاهد مماثلة في فرنسا والبرازيل، حيث تحظى هذه الأبحاث باهتمام واسع النطاق، بل إن الاتحاد السوفيتي سابقًا والصين كذلك أوليا اهتمامًا ملحوظًا بهذه الدراسات، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالقدرات الخارقة والتجارب النفسية العميقة.

وتملك هذه الاتجاهات الإعلام الخاص بها، الذي يروّج لأفكارها ويعزز حضورها في المجتمعات. ومن بين الأسماء البارزة في هذا الحقل: آدمون، وروبرت دِل، وغيرهما من الباحثين والمنظّرين الذين يتوزعون عبر بلدان متعددة، ويُسهمون في نشر هذه الفلسفات تحت غطاء البحث والاستكشاف، ما يدل على أن الخرافة ليست حكرًا على بيئة دون أخرى، بل هي ظاهرة إنسانية قد تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب السياق الثقافي والفكري.

انتقال الروحية إلى بلاد العرب

وقد انتقلت هذه الفلسفة الروحية إلى العالم العربي، وبشكل خاص إلى مصر ولبنان، حيث ظهرت مجلات ومطبوعات تنطق باسم هذه المدرسة الفكرية. كما وجدت طريقها إلى بعض دول الخليج العربي عن طريق العمالة الوافدة، التي كانت تحمل معها هذه الأفكار والمعتقدات. واليوم نسمع من بعض الإعلاميين أو من يُحسبون على هذه المدرسة الروحية تنظيرًا وكتابة، بل ويزعم بعضهم، عبر مواقع الإنترنت، القدرة على الاتصال بأرواح الزعماء الراحلين، أو حتى تحديد توقيت وفاة بعض الأحياء، قائلاً: "لا يأتي عن فلان أو فلان شيء جديد، إلا وقد توفي." وهو قول لا يختلف عن أقوال المنجمين الذين يتكلمون عن المستقبل بلا علم.

الفلسفة الروحية والتنجيم

والواقع أن ثمة ترابطًا واضحًا بين ما يُعرف بالفلسفة الروحية وما يمارسه المنجّمون؛ فكلاهما يدّعي الوصول إلى نوع من "الغيب النسبي"، محاولين بذلك التهرب من مخالفة العقيدة الصريحة في تحريم القول بالغيب. ويبرر هؤلاء أقوالهم بأنهم لا يدّعون العلم بالغيب المطلق الذي يختص به الله عز وجل، وإنما يتحدثون عمّا يسمونه "غيبًا نسبيًا" قابلاً للتحصيل والمعرفة. لكن هذا الادعاء يتعارض مع أصول الإيمان، إذ إن وسائل المعرفة في الإسلام محددة وواضحة، وهي: الوحي (القرآن والسنة)، والحس، والعقل، والتجربة المشاهدة، وما دون ذلك كالتخاطر وتحضير الأرواح فليس من وسائل المعرفة المشروعة في الإسلام.

ولو كان الغيب النسبي، كما يزعمون، متاحًا عبر هذه الوسائل، لكان أولى الناس به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وقد نفى الله عنه علم الغيب في قوله: "قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" [الأعراف: 188].
فهذه آية قطعية في الدلالة والثبوت، لا مجال للتأويل أو الجدال فيها، وهي وحدها كافية لإبطال كل ما يُبنى على دعوى معرفة الغيب.

وقد جاءت وقائع نبوية تؤكد هذا الأصل، ومنها حادثة "النَّقْراء"، حين جاء قوم فأسلموا، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم مع راعٍ وإبل الصدقة ليأكلوا من ألبانها، فقتلوه وسرقوا الإبل وفرّوا. فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، لما أرسلهم ولا وقع هذا الحادث. وهذا دليل واقعي على أن علم الغيب مختص بالله وحده، وأن ادعاء معرفته بأي وسيلة غير الوحي لا يعدو أن يكون تخرّصًا وتجاوزًا.

ومن المؤسف أن بعض المسلمين تأثروا بهذه الفلسفات الروحية، حتى دخلت أفكارها في بعض الكتابات والمؤلفات. ومن بين من تأثر بها: محمد فريد وجدي، في موسوعته "القرن العشرين"، وكذلك عدنان إبراهيم، الذي يروّج لبعض القصص المشابهة لما تتناقله العجائز، مع غياب الضوابط العلمية والشرعية. وهذه مسألة خطيرة، لأن من لا ينضبط بأصول الشرع ومسالك أهل العلم، قد ينحرف دون أن يشعر، ثم يجد نفسه في وادٍ بعيد عن الحق.

كانت هذه كلمات موجزة حول الفلسفة الروحية وخطرها، والله المستعان.

 كلحوظة:

هذا تفريغ صوتي معاد صياغته مع شيء من الإضافات والتوضيحات لمقاطع ثلاثة تحمل عنوان: الروحية الحديثة على قناتي على اليوتيوب هتا


 


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015