لتمسك بالدين في زمن الفتن
الحمد لله الذي أمر بالثبات على الدين، ونهى عن اتباع السبل التي تؤدي إلى الفتن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فيا عباد الله، **أوصيكم ونفسي بتقوى الله**، فإن التقوى هي الحصن المنيع من الفتن، وهي النجاة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أيها المسلمون، إن **الفتن** في هذا الزمان قد تكاثرت، وتنوعت أشكالها وصورها، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الفتن، وقال:
«بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا» [رواه مسلم].
التمسك بالدين في زمن الفتن من الأمور العظيمة التي أمر بها الإسلام، وهو طريق النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى:
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]. فالاستقامة على دين الله هي السبيل الوحيد للنجاة من الفتن.
أيها المؤمنون، إن **الفتن** تتطلب منا الثبات والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم هو النور الذي يهدي في الظلمات، والسنة النبوية هي المنهج الذي نتبعه في زمن الفتن. يقول الله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
قصص عن السلف في التمسك بالدين:
عباد الله، لقد مر السلف الصالح بالعديد من الفتن والابتلاءات، لكنهم كانوا ثابتين على الدين، صابرين محتسبين. ومن هؤلاء الصحابي الجليل **عبد الله بن حذافة السهمي** رضي الله عنه، حين أُسر في بلاد الروم، وأراد ملك الروم أن يفتنه عن دينه، فعرض عليه الملك أن يترك الإسلام ويعيش في نعيم الدنيا، ولكنه رفض ذلك، وثبت على دينه حتى قال له الملك: "إني أقتلك إن لم تترك دينك"، فأجابه عبد الله بثبات وعزيمة: "افعل ما شئت، فلن أترك ديني". وحاول الملك معه بكل الوسائل، حتى إنه وضعه في قدر مملوء بالزيت المغلي ليراه عبد الله، ثم قال له: "اترك دينك"، ولكنه بقي ثابتاً متمسكاً بدينه، فأكرمه الله بثباته.
أيها الأحبة، هذه قصة من قصص السلف تبين لنا كيف كانوا يتمسكون بدينهم في أصعب الظروف. وهذا التمسك بالدين هو الذي ينجينا من الفتن ويجعلنا على الصراط المستقيم.
وسائل الثبات في زمن الفتن:
1. **الاعتصام بالقرآن والسنة**: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي» [رواه مالك].
2. **الصحبة الصالحة**: فالمرء على دين خليله، والإنسان يتأثر بمن حوله، ولذلك ينبغي أن نحرص على مصاحبة الصالحين الذين يعينوننا على الثبات في زمن الفتن.
3. **الدعاء واللجوء إلى الله**: كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» [رواه الترمذي]. فالدعاء هو سلاح المؤمن في مواجهة الفتن.
4. **التوبة والاستغفار**: الفتن قد تصيب الإنسان بالضعف، ولكن الله جعل لنا باب التوبة مفتوحاً دائماً، فنستغفره ونتوب إليه كلما أخطأنا.
أيها الأحبة، إن الثبات على الدين هو أعظم ما نسعى إليه في زمن الفتن، نسأل الله أن يثبتنا على دينه، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك الثبات على دينك حتى نلقاك.
**وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد**، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
خطب ومحاضرت

اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات