-->
»نشرت فى : الاثنين، 29 يوليو 2024»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

حاسب نفسك

 



الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون الكرام، منذ اللحظة التي ينزل فيها الإنسان إلى هذه الدنيا، يسير في طريق مقدر له، ومع مرور الأيام يقترب شيئًا فشيئًا من نهاية هذا الطريق. كما أن لكل عام يومًا أخيرًا، فإن لكل شخص من المخلوقين يومًا أخيرًا. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. وقال أيضًا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 57].

ومع نهاية كل عام، من الواجب على المسلم أن يوقف نفسه وقفة مراجعة وحساب. يجب أن يحافظ على ما حققه من مكاسب، ويصحح ما وقع فيه من أخطاء، ويسعى لتفادي التقصير، ويتطلع إلى تحقيق الأفضل. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].

فلنتأمل في هذا، فقد مضت سنة كاملة من أعمارنا، وجعلتنا نقترب أكثر من الآخرة ونبتعد عن الدنيا. لقد مضت اثنا عشر شهرًا، وساعاتها تفوق الثمانية آلاف، ودقائقها تتجاوز نصف مليون. كلها مضت سريعًا، فما الذي أودعناه فيها؟ هل ستشهد لنا أم علينا؟ قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]. وقال أيضًا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].

إن الغفلة عن محاسبة النفس خطيرة، كما قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله". وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ترك المحاسبة والاسترسال يقود إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور الذين يغلقون أعينهم عن العواقب ويعتمدون على العفو".

ويجب علينا أن نتذكر أن محاسبة النفس أمر ضروري. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة". وقال الحسن البصري: "المؤمن يلوم نفسه دائمًا، بينما الفاجر يمضي دون محاسبة". وقال الإمام الماوردي: "محاسبة النفس تعني مراجعة الأفعال وتحسينها أو تجنب الأفعال السيئة في المستقبل".

فالنفوس يجب أن تُعهد إلى المحاسبة بشكل مستمر، فكل نفس جوهرة ثمينة. قال الإمام ابن القيم: "كل نفس جوهرة يمكن أن تشتري بها كنزًا لا ينفد، وإضاعة هذه الأنفاس خسران عظيم". يوم القيامة، سيجد كل إنسان ما قدم من خير أو شر، ويتمنى لو كان بينه وبين أفعاله الشريرة فترة طويلة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30].

فلنتذكر في نهاية العام أهمية تصفية القلوب من الشحناء والخلافات. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثنين ويوم الخميس، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا".

وأيضًا، علينا أن نتذكر أن الحياة الدنيا زائلة ومتاع غرور، بينما النعيم في الجنة دائم لا ينفد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. أما الجنة فهي نعيم دائم، لا يبلى، ولا يتغير، ولا ينفد. قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35].

فلنتعهد أنفسنا بالمحاسبة اليومية إن أمكن، وإن لم يكن، فلتكن أسبوعية أو شهرية. لنبتعد عن الإهمال والغفلة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015