مقدمة وجيزة لعلم تفسير آيات الأحكام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه،وبعد..
أولاً: تعريف آيات الأحكام:
تبين
مما تقدم أن آيات الأحكام هي الآيات المتعلقة بالأحكام الفرعية العملية كالوضوء
والتيمم وأحكام البيع ونحو ذلك، وهذه الآيات من الأحكام أقل بكثير من حيث النسبة
والعدد مقارنة بآيات العقيدة والإيمان، ولهذا الله عز وجل أحالنا إلى السنة في
آيات كثيرة، لأن ما جاء في القرآن مثلاً في الصلاة هو حكم إجمالي، نعم وردت بعض
الأحكام التفصيلية كصلاة الخوف في سورة النساء لكنه يبقى في النهاية حكماً تفصيلياً
لمسألة خاصة بالنسبة لأحكام الصلاة، كذلك بالنسبة للزكاة نعم هناك أحكام تفصيلية
صغيرة أو يسيرة جاءت في سورة الأنعام وكذلك في سورة التوبة لكن أحكام كتاب الزكاة كثيرة
جدا ومسائله بالمئات بل بالآلاف إذا أخذناها بتفريعاتها وصورها، فهي كثيرة جدا لا
تكاد تنتهي، وميزة الفقه أنه يتجدد بتجدد الزمن فكل زمن له نوازله ووقائعه وأحداثه
وله صوره المستجدة وله الصور الحديثة التي تطرأ مع التقدم التقني وتطور الإنسان
وكثرة الحيل، وكثرة العقود المبتكرة، وكثرة أنواع الاكتناز وأنواع الكنوز ... إلى
آخره، فالصور كثيرة، ولهذا ما في القرآن هو أحكام عامة سواء في قضايا العبادات أو
غيرها، فالصلاة ليست أحكامها مفصلة في القرآن وكذلك الزكاة وكذلك الصوم وكذلك الحج،
نعم جميع هذه الأركان وجدت بعض أحكامها في القرآن لكن في النهاية لا تغطي جميع
أحكام هذه الأركان فكانت الإحالة إلى السنة في مواضع كثيرة من القرآن، فأمر القرآن
بطاعة الله وطاعة الرسول وقال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وقال:
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، إذن لا مناص
ولا محيص من الرجوع إلى السنة في معرفة جملة من الأحكام الشرعية.
ثانياً: ما الذي بينه القرآن
من الأحكام؟
القرآن
بين جملة من الأحكام وهي جملة تكاد تكون في بعض أبواب الفقه وهي حاكمة لأحكام
الباب أو موجهة له، مثلا الطلاق وما يترتب عليه من سكنى ونفقه ولدينا سورة كاملة
اسمها سورة الطلاق وهي سورة تمثل جملة من الأحكام الرئيسية والموجهة، وفي أحكام
الطلاق لدينا أيضا جملة وافرة، وكذلك من الأحكام المتعلقة بالمواريث بل إن الله عز
وجل لم يجعل المواريث مجالا لاجتهادات أهل العلم، ولم يجعلها كذلك للسنة إلا في
بعض المسائل، ومعظم أحكام المواريث نص عليها القرآن وبالأخص في سورة النساء، ولدينا
أيضا أحكام أخرى تتعلق بالأسرة في سورة البقرة و بالتيمم والوضوء في سورة النساء
وكذلك في سورة المائدة وأحكام تتعلق بالمحرمات من الأطعمة و ببعض الأحكام المتعلقة
بتحكيم شرع الله الذي هو الأمر الإجمالي والرجوع إلى القرآن والسنة، وفي قضايا
المعاملات المالية لدينا أحكام إجمالية كحل البيع و حرمة الربا، وهذا حكم إجمالي يندرج
تحته مئات المسائل بينت السنة شطرا كبيرا منها على هيئة قواعد عامة، لأنه حتى
الأدلة من السنة التي بينت أحكام المعاملات المالية كانت بمثابة قواعد وضوابط عامة
في الجملة وليست متعلقة بكل جزئية لما تقدم من أن صور الحياة كثيرة جدا وبالأخص في
معاملات الخلق فيما بينهم سواء بالبيع والشراء أو بالإجارة أو بالجعالة أو
بالشراكة أو بالمضاربة أو بالنكاح أو بالجنايات أو بأحكام الإمامة والبغاة ونحو
ذلك، ولهذا جاءت السنة بقواعد وأحكام عامة وضابطة.
ثالثاً: عدد آيات الأحكام:
أما عن عدد
آيات الأحكام في القرآن فقد اختلف أهل العلم فيها، فبعضهم قدرها بمئتي آية، وبعضهم
قال خمسمية آية، وبعضهم قال ما بين ذلك، وبعضهم قال: جميع القرآن يمكن أن نعتبره
آيات أحكام، لأن الفقيه المجتهد يمكن أن يستنبط من آيات القصص والأمثال والوعد
والوعيد أحكاما تكليفية عملية، وبناء على هذا يصعب أن نحدد آيات خاصة أو عددا
معينا ونقول: إن هذا العدد هو عدد آيات الأحكام، وهذا الكلام صحيح إلى حد بعيد لكن
كلامنا في آيات الأحكام الصريحة والواضحة في هذا الباب وبناء على هذا نقول: إن
آيات الأحكام تنقسم على قسمين: منها ما هو صريح وعدد الآيات التي من هذا النوع قد
تصل إلى خمسمية آية، وهذا وهو أبعد تقدير وإلا فبعضهم لا يسلم بهذا ويقول: العدد
أقل من هذا بكثير، والنوع الثاني: هو الآيات التي يمكن أن يستنبط منها حكم تكليفي
عملي، ولم تسق الآية أصالة له، وهذا يعم القرآن كله.
كما أن
آيات الأحكام أيضا على نوعين من حيثية أخرى وهي أن منها ما يؤخذ منها الحكم دون
النظر إلى آيات أخرى، كقوله سبحانه: وأحل الله البيع وحرم الربا، فالبيع حلال
والربا حرام لا يحتاج الأمر إلى أن نفهم الحلية والحرمة بانضمام آيات أو آية أخرى
إلى هذه الآية.
والنوع
الثاني: لا يمكن أن يتم فهم الحكم الشرعي إلا بالجمع بين آيتين وربما أكثر كما هو
شأن مسألة أقل الحمل، فالله عز وجل قال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، والفصال هو
الفطام، وقال في شأن الرضاع: (حولين كاملين) يعني 24 شهرا، فلو أخرجنا هذا العدد
من ال30 شهرا سيتبقى ستة أشهر وهي أقل مدة الحمل، ولهذا روي أن عثمان رضي الله
تعالى عنه جيء له بامرأة حملت ستة أشهر ووضعت فأمر برجمها فلما سمع ابن عباس أسرع
ونبه عثمان إلى هذه الفائدة الاستنباطية ورجع عثمان عن هذا الحكم.
رابعاً: من المخول بالاستنباط
من آيات الأحكام؟:
قد يقال: هل يمكن لأي شخص عن يقرأ آيات الأحكام
ويستفيد منها ويستنبط منها أحكاما؟
نقول لا
يخلو حال القارئ من أمرين:
الأول
أن يكون عاميا وهذا يمكن أن يفهم المعنى الإجمالي للآية والآيات من هذه الحيثية
على نوعين: هناك آيات واضحة الدلالة على الحكم الإجمالي أو على الحكم التكليفي كما
في قوله سبحانه (وحرم الربا) فدلالة هذه الجملة واضحة على حرمة الربا.
وهناك
آيات لا يمكن أن تفهم إلا بدقة نظر أو حتى تلك الآيات التي هي ظاهرة الدلالة قد
يستنبط منها الفقيه أحكاما كثيرة جدا دقيقة لا يتنبه إليها القارئ العادي، ولهذا
نقول: الناس أو القراء لآيات الأحكام إما أن تكون حصيلتهم العلمية عادية ومتواضعة
فهؤلاء يمكن أن يفهموا المعنى الإجمالي، وإذا صعب عليهم الأمر يمكن أن يرجعوا إلى
كتب التفسير في فهم المعنى الإجمالي للآية ويدركوا الحكم الشرعي الظاهر للآية، والنوع
الثاني هم الفقهاء والمجتهدون الذين يستنبطون المعاني الدقيقة من الآيات القرآنية
المتعلقة بالأحكام أو غيرها، ولهذا يقول علماء الأصول: إن قوله تعالى: (وأقيموا
الصلاة) ليس من آيات الأحكام؛ لأن دلالته ظاهرة جدا على وجوب إقامة الصلاة، فلا
يحتاج المجتهد إلى أن يكد ذهنه وقريحته من أجل أن يستنبط من هذه الجملة وجوب
الصلاة، ولهذا قالوا: هذه الآية ونظائرها لا تعد من آيات الأحكام، ولكن نحن لو
أخذنا بالمعنى العام وهو أن كل آية دلت على حكم تكليفي عملي هي من آيات الأحكام سندرجها
ضمن آيات الأحكام ثم نقول: إن آيات الأحكام لا تخلو من صورتين: إما أن تكون ظاهرة
الدلالة يفهمها كل مسلم وكل قارئ أو أن تكون دقيقة الدلالة ولا يفهمها إلا المجتهد
والفقيه ثم هناك مراتب كثيرة بين هاتين المرتبتين بين رتبة العامي المقلد والمجتهد،
وقد يفتح الله على طالب العلم الشرعي من الاستنباطات ما لا يفتح به على بعض
المجتهدين، وفضل الله واسع.
خامساً: المؤلفات في هذا
العلم:
بالنسبة
للمؤلفات في هذا المجال فكثيرة جدا من هذه المؤلفات ما هو مجموع للغير، ومنها ما
صنفه المصنف بنفسه، من النوع الأول أحكام القرآن للشافعي، فالإمام الشافعي لم يصنف
كتابا في تفسير آيات الأحكام لكن البيهقي جمع من كتب الشافعي كلامه وتفسيره لآيات
الأحكام في كتاب واحد وهو مطبوع.
أما
النوع الثاني وهو الأصل والغالب، وهو أن يعمد العالم لتصنيف كتاب في هذا العلم، ومن
أشهر هذه الكتب تفسير آيات الأحكام لإلكيا الهراسي الشافعي، وتفسير آيات الأحكام
للقرطبي المسمى بالجامع لأحكام القرآن وهو أوسعها وعندنا أيضا تفسير آيات الأحكام
للجصاص الحنفي، وكذلك لابن العربي كتاب في تفسير آيات الأحكام، و للموزعي اليماني
أيضا كتاب في تفسير الأحكام يسمى تيسير البيان.
وأما
الكتب المعاصرة فهناك كتابات كثيرة لكن بعضها ناقص، والسبب في هذا أنها كانت
كتابات أكاديمية لطلاب التخصصات الشرعية، وكان المقرر سورا معينة أو آيات معينة،
ولهذا هناك مثلا ليحيى القطان كتاب في تفسير آيات الأحكام ولعبد القادر شيبة الحمد
ولآخرين لكنها كما قلنا ناقصة وليست شاملة، إنما تختص بتفسير بعض الآيات إما في
سور خاصة أو متناثرة هنا وهناك لكن من أعمها تفسير آيات الأحكام للصابوني وهناك
تفسير آخر لفلان زلط في عدة أجزاء لكنه ليس مشهورا، والمشهور هو تفسير الصابوني،
والأشهر منه والأدق والأوثق والأحكم تفسير آيات الأحكام للسايس، وهذا التفسير رائع
ومفيد جدا، صنفه السايس برفقة شخصين آخرين لكن يبدو أنه ألف أكثر الكتاب أو هو
رتبه وجمعه وصاغه في نهاية الأمر.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات