أهم الكتب المصنفة في تفسير آيات الأحكام
إن
المتأمل للمصنفات في هذا العلم يجدها قليلة إذا ما قورنت بالكم الهائل من المصنفات
في العلوم الشرعية الأخرى، وهذا يعود –لربما-
إلى وعورة التأليف في هذا الفن إذ يتطلب الأمر مكنة علمية موسوعية سواء على الصعيد
المعرفي الشرعي أم المذهبي إذ إن المفترض في المصنف أن ينتصر لمذهبه، ويوجه الأدلة
ويرد على الخصوم، وهذا لا يتيسر لكثيرين هذا عدا الركون إلى المذهبية، والتي
أفرزتها فترة صراع مذهبي مرير بين بعض المذاهب الإسلامية كما حصل بين الحنفية
والشافعية في بلاد ما وراء النهر، فأفضى هذا إلى التسليم بصحة المذاهب وتبعاً لذلك
لم يبق للتصنيف الذي من هذا النوع ثمرة تُذكر خاصة مع التزهيد في النصوص والاقتصار
على التبرك بها.
أما عن
أشهر المصنفات في هذا العلم فهي:
أولاً:
(أحكام القرآن) لأحمد بن محمد الجصاص الرازي الحنفي (ت: 370)([1]).
ثانياً:
(أحكام القرآن) لعلي بن محمد الكيا الهراسي الشافعي (ت: 543)([2]).
ثالثاً:
أحكام القرآن لمحمد بن عبد الله بن العربي المالكي (543)([3]).
رابعاً:
الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي (ت: 671)([4]).
خامساً:
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، لمحمد صديق حسن خان (ت:1307هـ)([5]).
وأنبه
هنا إلى أن البعض ذكر أن أول من ألف في هذا العلم هو الإمام الشافعي في كتاب له
مطبوع بعنوان: (أحكام القرآن)، والصواب أن هذا الكتاب ليس من تصنيف الشافعي وإنما
جمعه البيهقي([6])
من مؤلفات الإمام ورتبه على الأبواب الفقهية([7]).
ولكي
نقترب من الكتب المتخصصة في آيات الأحكام والتي ذكرنا أهم مؤلفيها سابقا والتي كتب
لها القبول في أوساط الفقهاء وطلاب العلم رأيت من الفائدة أن أذكر مقارنات مقتضبة لها في النقاط التالية:
أولاً:
غلب على مؤلفي تلك الكتب كغيرها من كتب المقلدين الاتجاه المذهبي فكل مصنف تخندق
في مذهبه مدافعا عنه مبينا باستفاضة أحيانا وجهة نظر المذهب وفهمه أو تأويله للنص
في حين كان تفسير حسن خان تفسيراً اجتهادياً يتبع فيه الدليل وقوة الاستدلال
متأثرا في ذلك كله بمدرسة الشوكاني التجديدية، وكلا الطريقتين هامتان؛ إذ سجل لنا
التفسير الفقهي المذهبي الكثير من التعليلات والنظرات المذهبية وتوجيهات فقهاء
المذاهب للنصوص، وكيف كان تعامل أتباعهم مع هذه النصوص، كما أن التفسير الاجتهادي
خرج عن المألوف ووضع فكرة الاجتهاد، فنقل أقوال أهل العلم وناقشها وقارن ورجح.
ثانياً:
حاول كل مصنف أن يثبت رجحان مذهبه قدر استطاعته ولو أدى هذا أحيانا إلى شيء من
التعسف في التفسير والتوجيه.
ثالثاً:
كان للمذهبية انعكاس سلبي عند البعض إذ لم يكتف برد أدلة الخصم وتفنيد حججه بل
تعداه أحيانا إلى النيل والسخرية منه وتجهيله، وهذا بلا شك من إفرازات التعصب
المقيت.
رابعاً:
توسع البعض في تفسير بعض الآيات بسرد أوجه الاستدلال ومناقشة حجج الخصوم، ودفع
الإيرادات مما أخرج الكتاب عن الغرض الموضوع لأجله وهو بيان وجه الاستدلال بالآيات
على الأحكام، وهذه الطريقة هي التي غلبت على الجصاص في حين كان تفسير الهراسي
متوازنا إلى حد كبير.
خامساً:
تنوعت هذه الكتب من حيث بيان الأقوال الأخرى على نوعين:
الأول:
كتب نقلت المذهب والأقوال المخالفة له مع ذكر الحجج والأدلة، ومضت على هذا المنوال من أولها إلى آخرها
غالباً، وهذا ما فعله الجصاص وابن العربي والقرطبي.
الثاني:
اقتصرت على وجه دلالة الآية وتوجيهها في ضوء المذهب كما فعل إلكيا الهراسي، وكلا
النوعين مفيد في بابه إذ إن التدرج في طلب العلم يقتضيهما، فيبدأ طالب العلم أولا
بمعرفة معاني الآيات، وتوجيه المذهب لها، واستنباطاته منها ثم يدلف لدراسة الكتب
المقارنة لكن من جوانب القصور أنه لم تُوضع سلسلة أو سلم تعليمي لدراسة هذا العلم،
بحيث يتصور الطالب المذهب وتوجيهه لآيات الأحكام ثم لمناقشة الأقوال المخالفة كما
هو شأن السلم الفقهي أو الأصولي، وهذا القصور نتيجة طبيعية للغلو في التقليد!
([1]) هو: أحمد بن علي
الرازي، أبو بكر الجصاص فاضل من أهل الري، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة
الحنفية، له مصنفات منها: «أحكام القرآن». تاريخ بغداد 4/314، وطبقات المفسرين
للداودي 1/56.
([2]) هو: إلكيا أبو الحسن
علي بن محمد بن علي الطبري، الهراسي، تفقه بإمام الحرمين، وبرع في المذهب وأصوله،
توفي سنة (504 هـ). وفيات الأعيان 3/289، وسير أعلام النبلاء للذهبي 19/350.
([3]) هو: أبو بكر محمد بن
عبد الله بن أحمد المعافري الإشبيلي المالكي، الفقيه، القاضي، الراوية، توفي سنة
(617 هـ)، من مؤلفاته: أحكام القرآن، عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي. ينظر: شجرة
النور الزكية (1/252).
([4]) هو: يوسف بن عبد
الله بن محمد أبو عمر ابن عبد البر بن عاصم النمري، الأندلسي القرطبي، المالكي،
حافظ المغرب، صاحب التصانيف الفائقة، منها: «التمهيد لما في الموطأ من المعاني
والأسانيد»، و«الاستذكار»، و «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، وغير ذلك، توفي سنة
(463 هـ). وفيات الأعيان 7/66، وسير أعلام النبلاء 18/153.
([5]) هو: محمد صديق خان
بن حسن بن علي الحسيني البخاري القنوجي، أبو الطيب، ولد في قنوج (بالهند) سنة 1248
هـ ونشأ بها، له نيف وستون مصنفا بالعربية والفارسية والهندسية. منها: «حسن الأسوة
فيما ثبت عن الله ورسوله في النسوة»، و «أبجد العلوم»، و «فتح البيان في مقاصد
القرآن»، توفي سنة 1307 هـ. الأعلام للزركلي 6/167.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات