-->
»نشرت فى : السبت، 18 مارس 2023»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مراحل التأليف في آيات الأحكام


 

يمكن تقسيم مراحل التصنيف في هذا العلم على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: المرحلة الذهبية: وهو العصر الممتد من القرن الثالث وحتى الثاني عشر، فقد كانت بداية في منتصف القرن الثالث، ثم انتشر التتصنيف بعد ذلك بسبب انتشار المذاهب ومحاولة أتباع هذه المذاهب دعم موقف المذهب شرعياً ببيان حججه ومستنداته القرآنية، واتصف هؤلاء بالتمكن العلمي والمذهبي.

وكانت الساحة الإسلامية تشهد مجادلات ومناظرات واسعة بين أتباع المذاهب، والتنازع في أي المذاهب أقرب للشرع من غيره، مما أثمر مثل هذه الدراسات.

ورغم هذه الفترة الزمنية الطويلة إلا أن تلك الجهود كانت محدودة ومعدودة، وقد قام بعض المعاصرين بوضع قائمة بأسماء المؤلفات الخاصة بالأحكام فلم يصل تعدادها الأربعين مؤلفاً بعضها رسائل صغيرة، وأخرى ناقصة، وقد تفاوتت القرون في أعداد المصنفات في هذا العلم، فأكثر القرون حضاً: الثالث والرابع والتاسع ثم يأتي القرن السادس ثم بقية القرون.

المرحلة الثانية: الفتور: وكان هذا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ففيهما خفت هذا العلم فلم يسجل أي كتاب يتصل بهذا المجال، ورغم أن الأمة دخلت عصور التقليد منذ أمد بعيد بيد أن ذروة التقليد كانت في هذين القرنين، فقد اتفق الجميع على صحة تقليد إمام من الأئمة الأربعة، وأنهم جميعا يرتشفون من الشرع، وهذا لا غبار عليه، والمشكلة في حصر الحق في هذه المذاهب الأربعة حتى عد الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين مخالفة المذاهب الأربعة ضلالاً وإضلالاً، وأنه مؤدٍ إلى الكفر حتى وإن وافق قول الصحابة أو نص الحديث الصحيح! وحجته في هذا أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر([1]).. عجباً! ([2])

وازداد الأمر سوءا عندما نادى البعض بحرمة الاستنباط من القرآن والسنة وأنهما لمجرد التبرك! وهذا كله أدى بدوره إلى ضعف الإقبال على هذا النوع من التصنيف بل والزهد فيه، والعكوف على المتون المذهبية.

ونحن اليوم نرى في زماننا الكثيرين ممن وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم دعاة على أبواب جهنم  ممن يريدون أن يحنطوا القرآن ويجعلونه لمجرد التبرك سواء قالوا هذا بحسن نية أم بسوء طوية.

صحيح أن العلماء الداعين لترك الاستنباط والاجتهاد لم يريدوا فصل الدين عن الدولة وحاشاهم، ولكن هذه الدعوة تؤدي في بعض جوانبها إلى ما يهدف إليه أولئك الدعاة المستلبون، لأن المذاهب الفقهية لن تحيط بشؤون الدنيا ومشاكلها، مهما قيل في فضلها ومرونتها وسعتها إلا أنها تبقى دائرة ضمن دائرة كبرى هي الإسلام، هذا إضافة إلى أن القرآن والسنة هما مصدرا التشريع اللذان يجب التحاكم إليهما لا إلى غيرهما، وكلٌ يُستدل لقوله ولا يستدل به.

كما يؤدي هذا القول إلى قطع الصلة بين الناس وكتاب ربهم وسنة نبيهم وهو لعمر الله خطأ فادح، وما المآسي التي تقع اليوم ممن يوصمون بالمفكرين والتحرريين والتقدميين ودعاة الحقوق المتنوعة الموضات والصرعات، وما الانفلات الذي يعاني منه الكثير من الشباب فتيانا وفتيات وغيره الكثير من المحزنات إلا تجل صارخ للاغتراب عن الدين والبعد عن النبعين الصافيين: القرآن والسنة.

وإن مما يؤسف له أن نجد اليوم من يتبنى هذا القول الذي قاله علماء وصفوا أنفسهم بالمقلدين، وفي عصور عانت الأمة فيها من التخلف والانحطاط المريع، في حين أننا نسعى جاهدين للعودة بالأمة إلى القرآن والسنة، مع تلمس خطوات أهل العلم الذين أمرنا الله سبحانه بالرجوع إليهم، مع التفريق بين التفسيرات المرتبطة بالواقع المتغير وتلك المرتبطة بالنص بوصفه ثابتاً لا يتغير ولا يتبدل.

إن ما أرمي إليه ليس نبذ كتب أهل العلم والدعوة العامة إلى استنباط الأحكام من القرآن مباشرة دون تأهل بل هذا مما يزيد الطين بله كما أنه مخالف للقرآن الداعي إلى سؤال أهل العلم (فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، وما أعنيه أن المقولة السابقة جعلت بين الناس والقرآن هوة واسعة وأبعدت الأمة عن وحي ربها، فطغت البدع، وتشعبت الأهواء، وازداد الانحراف بسبب التراكم الزمني والبدعي.

أما استثناء علماء فترة التقليد المؤهل للاستنباط فغير مجدٍ لتصريحهم بخلو الأرض من المجتهدين بطبقاتهم المطلقة والمذهبية، فلم يبق لهذا الاستثناء واقع، وعتبي الكبير على هؤلاء أنهم حصروا أنفسهم في بوتقة التقليد رغم رسوخ الكثيرين منهم في العلوم النقلية والعقلية، فرغم تأهلهم جمدوا عقولهم واكتفوا بمطالعة الفروع التي لا تنتهي والإكثار منها وترك النص المعصوم القريب الواضح.

كما أن موقفهم هذا كان سبباً في تقزيم وتجزيء العقل الفقهي، فبدلا من أن يكون عقلا استنباطيا ينطلق من التأصيل إلى التفريع انكفأ على نفسه، وأصبح المعتمد في الفقه هو ما نصت عليه كتب الفروع، وأكرر القول بأن هذا ليس عيباً ولا خطأً إذا ما انضم إليه تكوين للعقلية الفقهية الاستنباطية ولكن العيب كل العيب في ترك الأصل وتجاهله والتمسك بالفرع وجعله أصلاً.

وفي اعتقادي أن هذا الانحسار الفكري والاستنباطي كان سبباً رئيسياً إضافة إلى التصوف البدعي في تردي الأمة، وانحدارها، إذ تبلدت الذهنية المسلمة في كثير من جوانبها إلا ما رحم الله، فأضحت لقمة سائغة للمتربصين بها.

المرحلة الثالثة: العودة: وهي عصرنا الحاضر والذي عادت فيه الكتابة في هذا العلم، وسأعود للحديث عن هذه المرحلة في نهاية هذه المقدمات.



([1]) وعبارته: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!». حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3/9، وهذا لعمر الله من أقبح ما يتفوه به المرء، وتعجب أن تجد من يغضب على انتقاد هذا القائل ولا يحرك ساكناً من هذا الكلام الشنيع في حق القرآن والسنة!

([2]) أخذ هذه الفكرة وهي أن الأخذ بظواهر النصوص أصل من أصول الكفر بعضُ المعاصرين وصنف كتاباً فرح به أتباعه، وسماه: «اللا مذهبية قنطرة اللادينية»، وهذا أيضاً مما لا يليق بمسلم عادي أن يقوله بله من ينسب نفسه لأهل العلم!

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015