-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 28 يونيو 2022»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

كلمات في الزهد والورع


 الشيخ/ عبد الكريم الخضير

الزهد الرغبة عن الشيء بعد حصوله في اليد، والورع اتقاء الشيء قبل حصوله في اليد، ولذا لما قيل لمالك بن دينار([1]): إنك زاهد، قال: «إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته الدنيا وملكها فزهد فيها، فأما أنا ففي أي شيء زهدت؟»([2])، كأن ما عنده شيء يزهد فيه لكنه إمام رحمه الله، وهذا من تواضعه وهضمه لنفسه لكن يبين لك الفرق بين الزهد والورع أن مالك بن دينار يرى أنه ليس عنده شيء يمكن أن يوصف بسبب الرغبة عنه بالزهد، أما عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي ملك الدنيا ومع هذا لم يدخل بيته منها شيء، لا قليل ولا كثير، وهذا هو الزهد، وهو الرغبة عن الشيء لا الرغبة فيه، والإنسان إذا ذهب إلى السوق بسلعة يريد بيعها فهو راغب عنها ولو كان راغبا فيها لما باعها، وقد يكون راغبا فيها وقد تدعوه الحاجة إلى البيع كما حصل لكثير من طلاب العلم حين تضيق على أحدهم الدنيا فيبيع كتبه وهي أحب إليه من كل محبوب، فما كل مبيع مزهود فيه وإن كان الأصل أن الذي يخرج الشيء من يده بطوعه واختياره أنه راغب عنه وراغب في مقابله فالذي يخرج الأموال في سبيل الله هو راغب عنها وراغب في مقابلها من ثواب الله جل وعلا وجرت العادة والسنة الإلهية أن الإنسان لا يبيع الشيء بأقل منه من وجهة نظره فلا يبيع النفيس بالرخيص، وقديمًا أورد هذا السؤال، وهو: الإنفاق في سبيل الله نقد ومقابله نسيئة فكيف يعاوض النقد بالنسيئة؟ أجاب ابن القيم رحمه الله تعالى من واقع الناس وهو أننا نجد من يبيع السلع بالنسيئة أي بالدين طمعًا في زيادة الثمن، ثم صاروا يتنافسون إلى أن قلت الزيادة إلى نسبة يسيرة جدًا طمعًا في هذه النسبة، فماذا عن الذي يبيع نفسه ووقته وجهده لله جل وعلا، ويعمل لآخرته الحسنة بعشر أمثالها([3])؟ لو قيل للناس: إن قِيَم السلع سوف ترتفع عشرة أضعاف إذا كانت نسيئة فإن كثيراً من الناس سيبيع ثوبه الذي يلبسه فكيف إذا كانت الأضعاف مضاعفة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؟ فالمرء إذا باع جزءًا من وقته أو دفع شيئًا من ماله أو أتعب بدنه في سبيل الله فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يحصيها ولا يعدها إلا الله جل وعلا، وجاء في الحديث المخرج في المسند وغيره وفيه كلام لأهل العلم: «إن الله ليضاعف لبعض عباده الحسنة إلى ألفي ألف حسنة»([4]) أي إلى مليوني حسنة، قد يقال: إن هذه أضعاف يمكن ألا تحاط بها! لكن فضل الله لا يحد ولا يُستكثر، فمثل هذه الأعداد والأرقام إذا تصورنا أن آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة يقال له: تمنَ فتنقطع به الأماني، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل أعظم ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: إي وربي، فيقال له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله وعشرة أمثاله([5])،  فإذا كان هذا آخر شخص يخرج من النار ويدخل الجنة فماذا عن السابقين؟ وماذا عن المقربين؟! فالمعاملة مع الله جل وعلا والمتاجرة معه سبحانه هي المتاجرة الحقيقية، وهي التجارة التي لا تبور، فالإنسان يجلس ربع ساعة يقرأ جزءاً من القرآن بمائة ألف حسنة، وقد يضاعَف له بسبب ما احتف بهذه القراءة من تدبر وزيادة في اليقين والإيمان، وتفقه في كتاب الله إلى أضعاف لا يحاط بها لكن أقل تقدير بالوعد الصادق مائة ألف حسنة.

إن التجار يربحون أموالاً طائلة وأرقاماً يعتبرونها خيالية لكنها مع ذلك عرضة للتلف والزوال في أية لحظة، فهي ليست بمنأى عن ذلك، كما أنها مزلة قدم سواء في كسبها أم في إنفاقها، ولذا فإن المتاجرة الحقيقية إنما هي مع الله جل وعلا، وسلف الأمة وأئمتها وعلى رأسهم سيد الخلق زهدوا في الدنيا وتورَّعوا عما ليس من ملكهم، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- وجد تمرة ملقاة فقال: «لولا أخشى أنها من الصدقة لأكلتها»([6])؛ لأنها حرمت عليه الصدقة، والآن كثير من الناس يتسمح بعظائم الأمور ويقول: إن الله غفور رحيم!

والزهد في الدنيا مسلك أئمة الإسلام بدءًا من صحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى أن جاء من يكتب في الصحف، ووصفه بأنه الخمول والكسل، والجلوس في المساجد لمجرد الذكر، وأن هذا تعطيل للحياة التي استعمرنا الله فيها؟! وينسى أن الزاهد يحقق الهدف الأعظم الذي من أجله خلق وهو تحقيق العبودية لله جل وعلا، والدنيا بحذافيرها لا تزن عند الله جناح بعوضة ويؤتى بأنعم الناس في الدنيا من أهل الناؤ فيغمس في النار فيقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا وربي، ما مر بي خير قط! وبالمقابل يؤتى بأبأس الناس وأتعسهم في الدنيا وهو الذي عاش حياة الشقا، وهو من أهل الجنة، فيغمس في الجنة ثم يسأل: هل مرَّ بك بؤس قط؟ فيقول: لا وربي!([7]) هذه هي الحياة الحقيقية    ﭝﭞ العنكبوت: ٦٤  يعني هي الحياة فعلينا بالمتاجرة مع الله جل وعلا          فاطر: ٢٩ ، فهؤلاء الذين جمعوا الأموال وأنفقوا الأوقات في جمعها من حطام الدنيا كثير منهم صارت أمواله وبالاً عليه، فمنهم من أنفقها في العلاج له ولأسرته، ومنهم من كرس حياته في حراسة ماله! وأصبحوا خدما له عوضا عن أن يكون خادما لهم!

ولا يعني هذا الحث على ترك الدنيا بالكلية، فالله يقول:   ﯳﯴ القصص: ٧٧  ، فالمتاجرة مع الله جل وعلا وتحقيق الهدف الذي من أجله خلق الإنسان لا بد له من بلغة تعين على تحقيقه، أما أن يعيش الإنسان عالة يتكفف الناس باسم الزهد فلا، وهو أمر مذموم شرعاً، فالتوازن مطلوب، فالمرء يعمل ويكتسب من هذه الدنيا ما يبلغه إلى مرضات الله جل وعلا والله المستعان.



([1]) هو: مالك بن دينار السامي الناجي، أبو يحيى البصري الزاهد، علم العلماء الأبرار، معدود في ثقات التابعين، كان من المتعبدة الصبر والمتقشفة الخشن، توفي سنة (123 هـ). ينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال 27/ 135، سير أعلام النبلاء 5/ 362.

([2]) قوت القلوب 1/415، وينظر: الزهد الكبير للبيهقي (44).

([3]) ينظر: الجواب الكافي (ص:36).           

([4])         أخرجه أحمد (7945) من حديث أبي هريرة ◙، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. ينظر: تخريج أحاديث الكشاف 1/320، قال ابن كثير في التفسير 1/ 369: «هذا حديث غريب، وعلي بن زيد عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر ... »، ورواية ابن أبي حاتم التي ذكرها ابن كثير أخرجها ابن أبي حاتم في التفسير 2/ 461، وظاهر صنيع ابن كثير أنه يقوي بها رواية ابن جدعان. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند 8/ 66.

([5]) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، (189)، والترمذي (3198)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

([6]) تقدم تخريجه.

([7]) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤسا في الجنة (2807)، وابن ماجه (4321) من حديث أنس بن مالك ◙.


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015