البركة في العمر.. نماذج من أهل العلم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
ذهب
بعض أهل العلم إلى أن الرزق والأجل ماداما مكتوبين في اللوح المحفوظ فلا زيادة ولا
نقصان فيهما، وأن المراد بالزيادة والإنساء كمنا في حديث صلة الرحم هو البركة، فإن
وصل المرء رحمه كان عمره المقدر أنفع من أضعافه من غيره ممن لم يصل الرحم، والوقائع
وشواهد الأحوال تدل على هذا، فبعض من ينتسب إلى العلم خلَّف علما يُنتفع به إلى
قيام الساعة، وقد مات في الثلاثين أو في الأربعين أو في الخمسين بينما عاش غيره المائة
وزيادة ولا يوجد من يذكره، فكثير من أهل العلم وغيرهم ممن لهم أثر بالغ في الأمة يُذكرون
ويترحم الناس عليهم رغم أنهم ماتوا من قرون وفي سن مبكرة، فعمر بن عبد العزيز مات
ولما يكمل الأربعين([1])، وابن عبد الهادي من كبار المحدثين والفقهاء مات ولمّا يبلغ
الأربعين، وله المصنفات الجليلة النافعة([2])،والنووي رحمة الله عليه لا يخلو مسجد من مساجد المسلمين في
جميع بقاع الأرض إلا ويقال قال: رحمه الله تعالى، وهو مات وعمره قرابة ست وأربعين
سنة([3]).
بل حتى
أولئك الذين تجاوزا الستين تجد أعمالهم تعادل أضعاف هذا الرقم من السنوات، فشيخ
الإسلام عُمِّر سبعاً وستين سنة، وكان يكتب الرسالة في ساعة وهي الآن تُدَرَّس في
سنة، وكتب بعض الرسائل في مائتين وثلاثين صفحة وصاحبها مستوفز يريدها([4])، وكتابه نقض التأسيس
من أعظم الكتب، وأنا أجزم أنه لم زيد على شهر في تأليفه.
|
وكذلك
التأسيس أصبح نقضه
. |
|
أعجوبة
للعالم الرباني([5]) . |
وقد
حُقق وعُلق على هذا الكتاب في أربعين سنة لأنه قُسم على ثمان رسائل دكتوراه كل
واحدة تصل إلى خمس سنوات، وهذا مجرد تحقيق وتعليق، والتأسيس ليس مثل التكميل؛ ورغم
أن الكتاب قد مضت عليه قرون لكن الناس احتاجوا إلى أن يُطبع ويعلق عليه وتوضح بعض
مسائله ومع هذا بقيت مسائل كبرى في الكتاب لم يفهمها طلاب العلم بمن فيهم من قام على
تحقيق الكتاب أو درّسه! كذلك كتابه درء تعارض العقل والنقل ومنهاج السنة وغيرها،
وكان يكتب الرسالة ولا يرفع القلم، ويصل الكلمات بعضها ببعض لتوارد المعلومات وأحدنا
إذا كتب بحثاً احتاج إلى مدة طويلة كي يجمع المادة ويصنفها، ويرتبها، ويتخير ما
يثبته وما يستبعده، وقد يكتب جمع من الباحثين كتاباً واحداً في ردح من الزمن وشيخ
الإسلام يخرج هذه الموسوعات المذهلة، وليست مجرد تجميع، وإنما من حفظه وفهمه وبنات
أفكاره، كل هذا في عمر وجيز، ومن الناس من يعيش مائة سنة أو مائة وعشرين سنة أو أكثر
من ذلك ثم لا شيء، فأي بركة أعظم من هذا؟! والأيام والليالي خزائن والعبرة بما
يوضع في هذه الخزائن، فليست العبرة بأن تزيد الأيام والليالي إنما العبرة بما يودع
فيها، والإنسان هو عمره أي لا قيمة له إلا في عمره الذي يستغله فيما يقربه إلى
الله جل وعلا
ومثال
الزيادة المعنوية في الرزق أن بعض الناس عنده متجر ودخْله الشهري يسير وجاره دخله أضعافه،
ولا نجزم بأن هذا أثرى من صاحب الدخل اليسير، لأن العبرة بالبركة، فقد يحتاج صاحب
الدخل الوفير في يوم من الأيام إلى دخله كله لينفقه في تداو ونحو ذلك عقوبة له على
ما ارتكبه من بعض الذنوب، فالعبرة بالبركة والقناعة؛ لأن بعض الناس شَقي بماله أضعاف
أضعاف ما يعانيه الفقراء بسبب الفقر، والله المستعان.
تزكية



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات