انظروا إلى من هو أسفل منكم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
لا ريب
أن هذه الدنيا فيها النافع والضار، والخير والشر، والمعافَى والمبتلى، والفقير والغني، والمريض والصحيح، وما من أحد إلا ويناله من
نصَب الدنيا وتعبها وشقائها ما كُتب له لكنه إذا نظر إلى نفسه وقارنها بغيره سيجد
نفسه خيراً من كثير من الناس في مجالات كثيرة، فعليه أن ينظر إلى من هو دونه -ولو
كان مبتلى- ليشكر الله على النِعَم التي أولاه إياها، فهو يستمتع بها، وفي الصحيحين
من حديث أبي هريرة ◙ مرفوعا: «انظروا إلى من هو أسفل
منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم»([1]).
قد
يقال: إذا كان المرء أفقر الناس، وغلب على ظنه ذلك كما وقع للصحابي الذي قال: ((والله
ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا))([2]) فكيف ينظر إلى من هو أسفل منه؟ نقول: لينظر إلى أغنى الناس،
وكيف فعل به المال ما فعل من الشقاء والتعاسة، ولو قارن أحدنا بين حال بعض الفقراء
وبعض الأغنياء سيجد من الفقراء من يأكلون أكثر وأفضل مما يأكل بعض الأغنياء، نعم
قد لا يكون في النوعية والجودة، ولكن في التلذذ والشهية، فقد يمنح الله المرء
المال، ولكنه يمنع عنه القدرة على التلذذ بمأكله ومشربه حتى وإن كان من أطايب
الطعام والشراب.
إن
الفقير لو نظر إلى كثير من كبار الأغنياء لرآهم دونه؛ لأنهم يراقبون البورصات
والشاشات طوال الليل وإذا ارتفعت الأسهم أخذ حبة دواء، وإذا نزلت أخذ أخرى، وإذا
قُدِّم العشاء لم يستطع الأكل، وأحدهم –وهو من كبار الأثرياء- مرَّ في طريقه على عامل قد نام على ورق
مُقوَّى في الطريق فأقسم بالله أن هذا العامل أكثر منه راحة وانبساطاً وتلذذاً
بالدنيا، وقال: إن هذا العامل إذا قُدِّم له العشاء سوا كان قليلاً أم كثيراً أكله
أما أنا فلا أستطيع أن آكل أكثر من ثلاث ملاعق، ولا أن أنام بهذه العمق! ولذا فالعبرة
بما يقرب إلى الله جل وعلا وإلى مرضاته والسعادة الحقيقية في العبادة والله
المستعان.
إن
أفقر الناس سيجد في كثير من الأمور من هو أسفل منه حتى في التي يجزم بأنه فقير
فيها والتي لو نظر إليها من جهات أخرى لوجد نفسه أفضل بكثير ممن حُرمها، ومثل هذا
الأعمى، فهو لو نظر إلى المبصر الذي استغل نعمة البصر فيما هو وبال وعذاب عليه
لحمد الله على ما هو فيه، وهكذا في بقية النعم، فالحواس والمال والصحة والجاه
والفراغ ونحوها إذا استعملت فيما خلقت له كانت نعماً، وإذا استعملت في ضد ذلك كانت
نِقماً، فما من ابتلاء إلا ورأيت في بعض جوانبه نعماً، وسيدرك المبتلى أن المقارنة
بينه وبين من هو أعلى منه من وجهة نظره لم تكن سليمة، وأنه نظر إلى جانب وأغفل
جوانب أخرى هو يتمتع ويتفوق بها على غيره ممن يظنهم أرفع منه، ومع هذا نجد بعض
الناس إذا أصيب بمرض أطلق لسانه بالشكوى لكل من رآه، وإذا سُئل عن حاله قال: لقد
بلغ به المرض ما بلغ بأيوب! وهل يدري ماذا عانى أيوب وما بلغ به المرض؟! لقد ذكر
في مرض أيوب أشياء تفوق الخيال([3])، ومع ذلك صبر واحتسب وعافاه الله، وهذا المريض لو حمد الله
وشكره على نعمه، وقال: أنا أتقلب في نعم الله، وأنا على أجر عظيم وخير عظيم مع هذا
المرض لكان خيراً له، وعظم الجزاء مع عظم البلاء لكن بعض الناس لا يوفّقون لشكر
هذه النعم وبعضهم تجده دائماً يلهج بذكر الله وحمده وشكره وفيه من المصائب والآلام
وشظف العيش ما الله به عليم!
يذكر
في كتب الأدب أن أعمى قيل له: يا مَسكين فقدت عينيك التي تشاهد بهما متع الدنيا
قال: لكنني في نعمة عظيمة، وهي أن الله أراحني من مشاهدتك([4])! لكن لا ريب أن العمى ابتلاء، ولذا جاء في الحديث: «من فقد حبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة»([5])، وهذا يدل على أن البصر نعمة وأن وجوده خير من عدمه لكن ينبغي
أن ينظر المرء إلى الآثار المترتبة على الوجود والعدم.
وما
تقدم إنما هو في أمر الدنيا أما في أمر الدين فلا ينظر إلى من هو أسفل منه في أمر
الدين فيغتر، وينظر إلى نفسه بعين الازدراء والاحتقار وأنه مفرّط إذ كيف لا يكون
مثل أولئك، ومع الأسف أننا نسمع من بعض من ابتلي بالأسفار يقول: إن أهل الجزيرة
كلهم في الجنة بحجة أن بقية مناطق العالم امتلأت بالجرائم والمعاصي والمنكرات! وهذه
ليست نظرة شرعية، إن هذا ينسلخ من الدين وهو لا يشعر، وإذا نحن نظرنا إلى أنفسنا
بهذا المنظار لخسرنا ولما بلغنا ما نريد من الفوز لكن إذا نظرنا إلى من هو فوقنا
ونظرنا إلى حالنا جَزَمنا بأننا من المفرطين، وأن علينا أن نعود إلى رشدنا وديننا.
([1])
أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب لينظر إلى من هو أسفل منه ... (6490)، ومسلم،
كتاب الزهد والرقائق (2963).
تزكية



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات