-->
»نشرت فى : الخميس، 23 يونيو 2022»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

السلام.. أحكام وآداب


 * الشيخ عبد الكريم الخضير

بذل السلام على من تعرف ومن لم تعرف سبب لانتشار المحبة والمودة بين المسلمين، والمودة طريق لدخول الجنة، وفي الحديث الصحيح: «لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»([1]).

والأمر بالسلام في الحديث الصحيح: (إذا لقيته فسلم عليه) يفيد الوجوب لكن جماهير أهل العلم على أن البدء بالسلام سُنَّة لذلك يقولون إلقاء السلام سنة ورده واجب([2])، والسلام بأن تقول: ((السلام عليكم)) فتكسب عشر حسنات، وإذا زدت (ورحمة الله) صارت عشرين حسنة، وإذا قلت: (وبركاته) صارت ثلاثين حسنة([3])، فعلى الإنسان أن يبادر إلى مثل هذه الأمور التي لا تكلفه شيئًا، ولا ينتظر غيره أن يسلم عليه، ولا يقول كما يشيع على ألسنة كثير من الناس الحق لي أو أنا أكبر منه أو أنا عمه أو أنا خاله ونحو ذلك، لأنه جاء في الحديث: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) ([4])، فعلى المسلم أن يبادر بالسلام، ولا يترك السلام لأنه سنة ويريد الاستئثار الإجابة ليحصل على ثواب الواجب، ولا ريب أن الفرض أفضل من السنة، وفي الحديث الصحيح: «وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه»([5]) لكن إذا كانت السنة مشتملة على هذا الفرض فهي أفضل، فإذا قلت: السلام عليكم فقد امتثلت، وبدأت فصرت خير الرجلين، فبم تكون خير الرجلين إلا لأنك أعظم أجرًا.

وصيغة السلام هي: (السلام عليكم) ويصح أيضاً: (سلامٌ عليكم)، لقوله تعالى:   ﯛﯜ ﯞﯟ هود: ٦٩  قال أهل العلم: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة؛ لأن (سلامًا) مصدر قائم مقام فعله، و(سلامٌ) اسم، والاسم أبلغ؛ لأنه يدل على الاستمرار بخلاف الفعل الذي يدل على التجدد والحدوث، فالمسلم مخير بين تعريف السلام وتنكيره كما يقول أهل العلم([6]) لكن السلام على المقابر يكون بالتعريف لأن هذا هو الوارد في النصوص بخلاف السلام على الأحياء حيث وردت الصيغتان.

ورد السلام واجب لقوله تعالى: ﯿ        ﰆﰇ النساء: ٨٦  فإذا قال: السلام عليك، فلك أن ترد فتقول: وعليك السلام، وإن شئت زدت: ورحمة الله وبركاته، فالمسلم مخير بين أن يرد بمثما قال ملقي السلام وبين أن يزيد، والزيادة مستحبة لكن تعارف كثير من الناس أن يجيب بنحو: أهلاً وسهلاً أو مرحبًا أهلاً وسهلاً، وتقدم أن أم هانئ جاءت والنبي -عليه الصلاة والسلام- يغتسل فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «من؟» قالت: أم هانئ، فقال: «مرحبًا بأم هانئ»([7])، وفاطمة قالت: السلام عليك يا أبتِ، فقال ﷺ: «مرحبًا بابنتي»([8])، فبعض العلماء يحتج بهذين الحديثين على مشروعية الاقتصار على (مرحبا) ([9])، ومنهم من يقول يوجب رد السلام، وأن قول: (مرحبا) مقدار زائد، وكونه لم ينقل في الحديث لا يعني عدم حصوله، إذ لا يلزم أن ينقل في كل مناسبة، فقد جاء البيان من الرسول -عليه الصلاة والسلام- في مناسبات كثيرة برد السلام، ويكفي أن يُنقل ما تقوم به الحجة([10])، ويؤيد هذا أن في قصة إبراهيم عليه السلام مع الملائكة وردت إجابة السلام في سورتي هود والذاريات في حين لم ترد في سورة الحجر، وهذه قاعدة نحتاجها في كثير من المسائل، وهي أن نقل فعل أو قول ما في مناسبة لا يستلزم نقله في كل مناسبة.

والسلام يرفع الهجرة بين المتقاطعَين لأنه ﷺ قال: «لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فيلتقيان فيعرض ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»([11])، فإن ردَّ عليه أخوه المسلم ارتفعت منهما، وإن لم يرد عليه بقي قاطعًا هاجرًا، وهل يكفي بين المتهاجرين المتخاصمين أن يسلم أحدهما ويرد والآخر والقلب مشحون بالعداوة أو لا بد أن يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل الهجرة؟ بعضهم اشترط هذا؛ لأن بعض الناس عنده استعداد أن يسلم ويرد لكن قلبه مشحون على أخيه([12]).



([1]) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... (54)، وأبو داود (5193)، والترمذي (2688)، وابن ماجه (68)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

([2]) ينظر: القرطبي 5/298، المحيط البرهاني 5/326، الفواكه الدواني 2/323، المجموع 4/593.

([3]) إشارة إلى حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عشر»، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: «عشرون»، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون»». ما أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب كيف السلام (5195)، والترمذي، كتاب الاستئذان والآداب، باب ما ذكر في فضل السلام (2689)، وقال: «حسن غريب من هذا الوجه»، والنسائي في الكبرى (10097)، وأحمد (19948)، وحسنه البيهقي في الشعب 11/ 242، وللحديث شاهد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في الأدب المفرد للبخاري (986)، وأخرى عن غير واحد من الصحابة، تنظر في العلل المتناهية 2/ 718 وما بعدها، ومجمع الزوائد 8/ 30 وما بعدها.

([4]) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة، (6077)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي، (2560)، وأبو داود (4911)، والترمذي (1932) من حديث أبي أيوب ◙.

([5]) ينظر: الإقناع في فقه الإمام أحمد 1/ 237.

([6])                             

([7]) أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب أمان النساء وجواريهن (3171)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى (336)، والترمذي (2734) من حديث أم هانئ - رضي الله عنها.

([8])   أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3623)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - (2450)، وابن ماجه (1621) من حديث عائشة - رضي الله عنها.

([9]) ينظر: فتح الباري 1/ 131، 7/ 209.

([10]) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ 1/ 524.

([11]) تقدم تخريجه.

([12])                           عزا الحافظ في الفتح 10/496 القول الأول للجمهور، والثاني للإمام أحمد.         

.................

من شرح بلوغ المرام

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015