-->
»نشرت فى : الأربعاء، 22 يونيو 2022»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الأدب.. بين الشريعة والأدب


 * الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير

الأدب في النصوص يراد به ما تؤدب به النفس وما يتحلى به المسلم من جميل الأخلاق، وأفضل الصفات، وقد اهتم علماء الحديث بهذا العلم فخصصوا له حيزاً في مصنفاتهم الجوامع أسموه كتاب الأدب، وعلى رأس هذه الجوامع صحيح البخاري، وللبخاري أيضًا كتاب الأدب المفرد، وصنف البيهقي كتاب الآداب، بل إن كتاب رياض الصالحين الذي يسمعه المسلمون ويكررونه ويرددونه في المساجد وغيرها هو أيضاً في الأدب، وهو كتاب لا يستغني عنه طالب علم حتى إن كثيراً من أهل العلم يوصون بحفظه لأن بعض الناس يتجه إلى حفظ أحاديث الأحكام، وينسى هذه الأبواب المهمة، ولا ريب أن طالب العلم إذا حفظ أحاديث الأحكام وأسس فقهه على الحديث فهو على خير عظيم لكن يبقى أن ثمة أبواباً من الدين لا بد منها، ولا يستقل باسم الفقه الذي جاء مدحه في النصوص إذا اقتصر على أحاديث الأحكام.

ومن كتب الأدب مؤلفات تجمع الأحاديث وأقوال أهل العلم في هذا الشأن منها بهجة المجالس للحافظ ابن عبد البر([1])، والآداب الشرعية لابن مفلح([2])، ومنظومة الآداب لابن عبد القوي([3])، وشرحها للسفَّاريني([4])، وعلى هذا الشرح بعض الملاحظات، والمقصود أن الكتب في هذا الباب كثيرة، وعلى طالب العلم أن يُعنى بها.

والأدب أعم من البر والصلة، فالأدب مع جميع الناس، والبر يختص بالوالدين، والصلة بالأقارب، وفي تراجم الإمام مسلم: «كتاب البر والصلة والآداب»([5])، فقدم البر ثم الصلة ثم الآداب، أي أنه قدم الأهم فالأهم.

إذا كان ما تقدم هو المراد بالأدب في كتب السنة، وأنه ليس المراد ما اصطلح على تسميته بـ«الأدب»، وأُلِّفت فيه المصنفات الكبار والصغار واعتنى به الناس من القِدم لأنه يوافق ما تهواه النفس، وهو خفيف عليها؛ لأنه قصص وأخبار وأشعار يرتاح لها كثير من الناس مع أن على طالب العلم الجادّ أن يُعنى بالوحيين وما يخدم نصوص الوحيين ثم لا بأس إذا نظر في هذه الكتب من أجل إجمام القلب وراحة النفس مع عدم التوغل فيها، وينتقي الكتب التي لا تتنافي مع سمت المسلم؛ لأن بعضها فيه إسفاف ومجون ومن أعظمها كتاب الأغاني([6])، والذي اشتمل على الكثير من المخالفات منها مدحه لما ذمه الله جل وعلا ورسوله والعكس، وهذا من أعظم الكتب عند القوم، وثمة كتب أخرى تولى تأليف بعضها علماء شرعيون للأسف، كالراغب الأصفِهاني صاحب المفردات وغيره من المؤلفات النافعة([7])، وقد ألف كتابًا أسماه: محاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء والشعراء([8])، وهو من أردأ الكتب نسأل الله العافية، وكابن الوردي([9])، وبرروا وعللوا لفعلهم كما يُذكر عن ابن الوردي بأن الأدب يختلف عن العلم وأن له منهجه الخاص، ولا أدري من أين جاء الفصل بين الأدب والعلم، فالمسلم عليه أن تكون حياته كلها مستقيمة على شرع الله، ولا يبرر لنفسه الخروج عن الشريعة، وما أمر به الله سبحانه في كتابه وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ولا يجوز له الخروج عنه بأي مبرر، نعم القلوب يجب أن تُروّح ويخفف عنها وينظر فيما تستجم به لكن لا يصل الأمر إلى حد الممنوع والمحظور، والتي منها مدح الخمر وكثير من الفواحش، ولم يقتصر الأمر على هذا بل رأى بعضهم في تنقية هذه الكتب من الأقوال المُسِفَّة إهمالاً لجانب مهم من جوانب الأدب، فالذي حقق ((زهر الآداب))([10]) في طبعته الأولى نعى على المؤلف إهماله جانبًا مهما من جوانب الأدب وهو المجون! وهو رجل من الأدباء الكبار لكن في سيرته ما لا يُحمد، ومما قاله: إن الحياة تفقد حيويتها حينما تكون هدىً خالصاً!([11])، وهذا سوء وقلة أدب، ومع هذا يسمونه أدباً، فعلى إخواننا المتخصصين في هذا الباب أن يسعوا جاهدين لتنقية هذه الكتب من هذه الشوائب ليستفيد منها طالب العلم الذي يريد مطالعة شيء من الأخبار والقصص، وهذا أمر لا بأس به ولكن دون توغل كما تقدم، نعم في كتب الأدب ما يعين على تقويم اللسان ويستفيد منها المعلم في تنشيط الطلاب إذا كان عنده اطلاع؛ لأن الطلاب يملون، وتظهر عليهم علامات الملل والسآمة، وبعضهم ينعس، وبعضهم يتكلم مع جارـ بل وقد يستفاد منها أحيانًا في العلم الشرعي، وهو أمر لا ننكره لكن لا يكون ذلك مبرراً للتوغل فيها، لأن الفائدة المرجوة منها في العلوم الشرعية نادرة، ومن ذلك ما قاله أبو حاتم في جبارة بن المغلس([12]): «هو على يدي عدل»([13])، فهذه الكلمة ظاهرها التعديل، وهي من الألفاظ التي أشكلت على الحافظ العراقي، ومن بعده ابن حجر مدة، فالحافظ العراقي يقول: إنها من ألفاظ التعديل، وينطقها بكسر دال: «يدي»([14])، أما الحافظ ابن حجر فقد أوجس من هذه الكلمة خيفة؛ إذ كيف يوثق أبو حاتم هذا الرجل رغم تشدده مخالفاً جماهير أهل العلم قاطبة الذين ذهبوا إلى تضعيفه؟! وذكر أنه وقف في «إصلاح المنطق»([15]) لابن السكيت([16])، و «أدب الكاتب»([17]) لابن قتيبة([18]): أن العدل اسم شخص، وهو عدل بن جزء بن سعد العشيرة، وكان على شرطة تُبَّع، فإذا أراد تُبَّع أن يقتل أحداً سلمه للعدل، فإذا قيل: «بين يدي عدل» فمعناه: أنه هالك؛ لأنه يراد قتله([19])، ثم ذكر ابن حجر أنه وقف في كتاب الأغاني على قصة لأبي عيسى بن هارون الرشيد([20]) مع طاهر القائد وكان أعور([21])، وكان يأكلان على مائدة في عهد المأمون([22])، فأخذ أبو عيسى هندباة (4) -نوعا من أنواع من البقول-؛ فضرب به عين طاهر السليمة، فشكاه إلى المأمون، وقال له: إن أبا عيسى ضرب عيني بالهندباة([23])، والأخرى بين يدي عدل، فقال المأمون: إنه يفعل معي أكثر من ذلك([24])، فقوله: «بين يدي عدل»، أي: تالفة، ففهم أن المراد بهذه العبارة التجريح وليس التعديل.

فمثل هذه الفوائد لا يمكن معرفتها إلا من خلال هذه الأخبار لكنها ليست كثيرة بحيث يعتني بها أهل وطلاب العلم، ويبقى أن الإنسان يحتاج إلى شيء من الراحة والاستجمام؛ لأن القلوب إذا تعبت كلَّت، وأهم من كتب الأدب للاستجمام والراحة والاتعاظ والاعتبار كتب التاريخ التي يكتبها العلماء الثقات كالطبري وابن كثير وابن الأثير، فليس كل تاريخ ينبغي أن يعتنى به أو يصدق كل ما فيه، فبعض المؤرخين ليس بثقة فلا يعتمد على قوله:

لا تقبلن من التوارخ كل ما          .

 

جمع الرواة وخط كل بنان([25])               .

لكن في كتب التاريخ التي كتبها العلماء استمتاع واستجمام واعتبار وادِّكار؛ لأن السنن الإلهية واحدة لا تتغير، فالذي حصل لهذه الدولة مما هو سبب في رفعتها أو زوالها إذا حصل نظيره في أي دولة أفضى إلى نفس النتيجة، فلو قرأنا على سبيل المثال في المجلد السادس من نفح الطيب وجدنا ما وقع فيه أهل الأندلس مما يشبه أوضاعنا وأحوالنا مما كان سببًا في زوال دولة المسلمين هناك، فقد آل الأمر بأن كان النصارى يخلعون أبواب بيوت المسلمين ليدخلوا عليهم في أي وقت يريدون فيه الدخول عليهم، فاستفتوا علماء المغرب، كيف يصلون؟ لأنَّ علماءهم قُضي عليهم، فأفتوهم بأنَّ لهم أن يمسحوا الجدار كأنَّهم يحُكُّون يديهم، ويكون هذا تيمُّمهم، أما الصلاة فيصلُّونها إيماءً([26]).



([1]) هو: أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، ابن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي، شيخ علماء الأندلس وكبير محدثيها في وقته وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة، (ت: 463 هـ)، له مؤلفات منها: التمهيد، والاستيعاب، وجامع بيان العلم وفضله، ينظر: سير أعلام النبلاء 18/ 153، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب 1/ 357.

([2]) هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله شمس الدين المقدسي الراميني ثم الصالحي، أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد بن حنبل، له مصنفات منها: «كتاب الفروع والنكت»، و «الفوائد السنية على مشكل المحرر لابن تيمية»، و «الآداب الشرعية الكبرى»، ت:763 هـ. ينظر: أعيان العصر 5/ 269، الوفيات لابن رافع 2/ 253.

 

([3]) هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد القوي بن بدران، المرداوي المقدسي، شمس الدين، فقيه حنبلي، (699 هـ)، له مصنفات منها: عقد الفرائد وكنز الفوائد، طبقات الأصحاب، منظومة الآداب مع شرحها للسفاريني. ينظر: تاريخ الإسلام 15/ 933، الوافي بالوفيات 3/ 228.

([4]) هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين، أبو العون، محدث أصولي أديب، له مصنفات منها: «الدراري المصنوعات في اختصار الموضوعات»، و «الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية»، ت/1188. ينظر: سلك الدرر 4/ 31، الأعلام 6/ 14.

([5]) صحيح مسلم 4/1974.

([6])   هو: علي بن الحسين بن محمد القرشي الأموي أبو الفرج الأصبهاني الكاتب، صاحب الأغاني، الإخباري، كان بحرا في نقل الآداب، توفي سنة (356 هـ). يتيمة الدهر للثعالبي 3/ 127، سير أعلام النبلاء 16/ 201.

([7]) هو: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، لُغوي أديب، توفي سنة 502 هـ، له مؤلفات منها: الذريعة إلى مكارم الشريعة، والتفسير، والمفردات في غريب القرآن. يُنظر: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص: 112).

([8])   مطبوع في مجلدين.          

([9]) هو: عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، أبو حفص، زين الدين ابن الوردي المعري، أديب مؤرخ قاض فقيه، له مصنفات منها: «ديوان شعر»، و «التاريخ»، و «شرح ألفية ابن مالك»، ت/749 هـ. ينظر: فوات الوفيات 3/ 157، البدر الطالع 1/ 514.

([10])                           مؤلفه هو: إبراهيم بن علي بن تميم أبو إسحاق الأنصاري الحصري القيرواني، شاعر مشهور، له مصنفات منها: «المصون في سر الهوى المكنون»، و «ديوان شعر»، ت/453 هـ. ينظر: الذخيرة في محاسن الجزيرة 8/ 584، وفيات الأعيان 1/ 54. 

([11]) ينظر: مقدمة زكي مبارك لكتاب: زهر الآداب 1/ 17.

([12]) هو: جبارة -بضم أوله، وفتح الموحدة وبعد الألف راء-، ابن المغلس الحماني، أبو محمد الكوفي، كذبه ابن معين، ولم يكن يتعمد الكذب، والجمهور على أنه ضعيف، منهم: ابن عدي، والذهبي وابن حجر، أخرج له ابن ماجه، ت/241 هـ. ينظر: الكامل لابن عدي: 2/ 180، تهذيب الكمال 4/ 489، الكاشف 1/ 289، التقريب (980).

([13]) الجرح والتعديل 2/ 550.

([14]) ينظر: فتح المغيث 2/133.

([15])                           ينظر: إصلاح المنطق (ص: 224).      

([16]) هو: يعقوب بن اسحاق أبو يوسف، ابن السكيت، والسكيت لقب أبيه، عالم بالعربية واللغة والشعر، له مصنفات منها: «القلب والإبدال»، و «إصلاح المنطق»، و «الكنز اللغوي في اللسان العربي»، و «كتاب الألفاظ»، ت/244 هـ. ينظر: معجم الأدباء 6/ 2840.

([17])                           ينظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (ص: 43).           

([18]) هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الكاتب، أبو محمد، كان ثقة دينا ذو فنون، له مصنفات، منها: «غريب القرآن»، و «غريب الحديث»، و «مشكل القرآن»، ت/282. ينظر: تاريخ بغداد 10/ 170، السير 13/ 296.

([19])                           ينظر: فتح المغيث 2/ 133.

([20]) هو: محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور أبو عيسى العباسي الأمير، وأمه أم ولد، ولي إمرة الكوفة سنة أربع ومائتين، وكان له أدب وشعر جيد، ت/209 هـ. ينظر: تاريخ الإسلام 5/ 237، الوافي بالوفيات 5/ 95.

([21])                           هو: طاهر بن الحسين بن مصعب، أبو طلحة، وأبو الطيب، الخزاعي مولاهم مولى المأمون ذو اليمينين الأمير والي خراسان، وجه به المأمون إلى بغداد لمحاربة أخيه الأمين، ت/207 هـ. ينظر: تاريخ بغداد 9/ 358، وفيات الأعيان 2/ 517.  

([22])                           هو: المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي، أبو العباس أو أبو جعفر، عبد الله أمير المؤمنين، قرأ العلم والأدب والأخبار، والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، ت/218 هـ. ينظر: تاريخ بغداد 11/ 430، السير 10/ 272.            

([23]) هندباة: -بكسر الهاء وسكون النون وفتح الدال- ويقال فيها: هندباء وهندبا بالقصر والمد، نوع من أنواع البقل، قريب الشبه من الخس، يطلق عليها علت في بلاد الشام. ينظر: الصحاح 1/ 237، تاج العروس 4/ 407، مفردات ابن البيطار 2/ 118.           

([24])                           ينظر: الأغاني للأصبهاني 10/ 371، فتح المغيث 2/ 134.

([25]) نونية القحطاني (ص:29).

([26]) ينظر: دولة الإسلام في الأندلس 5/ 542 - 343.

..............................

*من شرح بلوغ المرام

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015