القضاء والفتوى والتعليم ولايات تحوطها النار
* الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير
ثبت في
السنة من حديث بريدة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة،
رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقضِ به وجار في الحكم فهو
في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار» هذا التقسيم
إجمالي، فلا نستطيع أن نقول: إن ثلث القضاة في الجنة، وثلثيهم في النار من خلال
هذا النص ، إذ قد يكون الناجون أكثر، وقد يكونون أقل حسب الوصف الذي علق عليه
الهلاك والنجاة، وقد يكون الغالب على القضاء الصلاح في بعض الأمكنة أو الأزمنة دون
بعض، فتكون النجاة أغلب، وقد يكون العكس فيكون الهلاك أكثر، فالحصر هنا حصر أوصاف
لا حصر أشخاص وفي هذا الحديث ترهيب لمن وَلي القضاء، وأفادنا هذا الحديث أنه لا بد
أن يتوافر في القاضي شرطان:
الأول:
العلم الذي يؤهله ويمكنه من النظر في القضايا على المقتضى الشرعي.
الثاني:
أن يقضي بما يؤديه إليه علمه واجتهاده المعتمد على النصوص.
فإذا
تخلف أحد شرطي النجاة فهو في النار، فإن لم يكن عالماً فهو في النار ولو أصاب
الحق، فإن كان جاهلاً لا تتوافر فيه شروط الصلاحية للقضاء، أو توفرت وحكم بالباطل
عمداً فهو في النار.
والحد
الذي يعرف به أهلية الشخص للقضاء هو الاستفاضة، فإذا استفاض أمره بين أقرانه
ومعارفه أنه من أهل العلم كفى، وهذا المعيار ليس في هذا الباب فحسب بل في غيره
أيضاً كالإمامة والاجتهاد، والظروف والأحوال والبلدان والأزمان تختلف، فما يشترط
في بلد يكثر فيه العلماء وتتيسر أسبابه قد يتساهل في بعضه بالنسبة لبلد آخر.
أما عن
خريجي الكليات الشرعية الذين منهم ينتقى القضاة، فليس مجرد حصول الواحد منهم على
شهادة كلية شرعية كافياً في أن يكون مؤهلاً للقضاء، إن شهادته أمارة وعلامة على أنه
درس مقررات الكلية، وهذه الكتب التي بعض من درسها يصلح لأن يكون أهلاً للفتوى والقضاء،
وبعضهم من لا يصلح لهما معاً، فلا بد أن تكون له عناية بالعلم الشرعي، وقد كان
العلماء يعرفون طلابهم من قرب ويرشحونهم إلى أن جاءت الدراسات النظامية، وكان
العلماء في السابق هم القضاة وهم المفتون، لكن لا بد من تعدد القضاة، وتعدد
المفتين نظراً لكثرة الأقطار والأقاليم، فتجد هذا العالم يرشح من طلابه من يصلح
للقضاء ومن يصلح للفتيا ومن يصلح للتعليم، ومن يصلح لإدارة أمور الناس العامة
وهكذا، والآن يحضر للكليات أعداد هائلة ويتخرجون، وكثير ممن درَّسهم لا يعرف من
أحوالهم إلا القليل، لكن هذه الشهادات صارت قرائن يُستدل بها على تحصيل شيء من
العلم من خلال ما قرئ في هذه الكليات من علوم، ولا يعني هذا أن المتخرج يصلح
للقضاء أو يصلح للإفتاء، لكنه في الجملة عنده شيء من العلم، فإن كانت له عناية
بالوحيين، وما يعين على فهم نصوصهما، وعرف بذلك، واستفاض أمره بين شيوخه وأقرانه
وزملائه فهو مؤهل، وإلا فإن مستوى كثير من الخريجين دون المطلوب، والقضاء مزلة
قدم، وكذلك الفتوى؛ لأنها توقيع عن الله -جل وعلا-، بعضهم يقول: إن القضاء أشد وأخطر
من الفتوى؛ لأن القضاء فيه إلزام وجاءت فيه النصوص التي تحذر وتخوف من الدخول في
مزلة القدم هذه، نعم الفتوى أيضاً جاء فيها ما هو نظيره أو أشد، فمن عظائم الأمور
القول على الله بلا علم {وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}
[(60) سورة الزمر] فلا يقولن أحدهم: أهرب من القضاء، وأتولى الفتوى، فكلاهما
مزلة قدم، أما التعليم الذي هو خيار ثالث بالنسبة لطلاب العلم فأمره أخف لأن لدى
المعلم مساحة من الوقت تمكنه من القراءة ومراجعة وتحضير ما يود تدريسه، لكنه
بمثابة القاضي بالنسبة للعدل بين الطلاب والتعامل معهم بالسوية وإعطائهم حقوقهم، وتجد
بعض الناس يظن ألا تبعة عليه لكونه لم يتول ولاية ما فهو ليس قاضياً ولا مفتياً،
وينسى أنه معلم، وهذا المنصب عليه تبعات، فهو ولي هذا الأمر للمسلمين وائتمن عليه،
فلا بد أن يبرأ من عهدته بيقين، وكم من واحد ممن دخل في هذه الولايات التي يظن أن
أمرها يسير والنتيجة أنه يأكل حراماً، لأنه لا يؤدي ما أؤتمن عليه كما يجب، لا
يوفي حق من ولي عليهم كما ينبغي، وهذه النصوص التي جاءت في القضاء وفي القول على
الله بلا علم شديدة جداً، لكن أيضاً المرافق الأخرى هي ولايات وتدخل في حديث: «نعم المرضعة، وبئست الفاطمة»([1]).
* من شرح بلوغ المرام



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات