مقاصد سورة البقرة
سورة البقرة مدنية بإجماع أهل العلم([1])، وفيها
آخر ما نزل من القرآن، وهي آيات الربا([2])، ومن
فضائلها ما ثبت في مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي ◙ مرفوعاً: «اقرءوا القرآن فإنه
يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران،
فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من
طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة،
ولا تستطيعها البطلة»([3]).
وسميت هذه السورة بهذا الاسم لورود قصة بقرة
بني إسرائيل فيها، بل إن هذه السورة تدور حول بني إسرائيل، لمجاورة المسلمين
لليهود في المدينة، وإن ورد ذكر النصارى أيضا ولكن على سبيل التبع، وكذلك لأن موسى
جاء بالتشريع ولاقى العنت من قومه فكانت هذه السورة شاملة لكليات شريعة الإسلام
وأصولها، بل وتظهر المناسبة جلية في كثير من الأحكام الواردة فيها والتي عُرف بها
اليهود كالسحر أو بتجاوزها كالأحكام المالية، ومنها: أكل أموال الناس بالباطل،
والرشوة، والصدقات والربا والمداينات وما يتصل بها، فكأن هذه السورة نزلت منجمة لتقرع
اليهود على مخالفاتهم، ولتربي المسلمين على اجتناب هذا السبيل خاصة وأنهم يرون هذه
المناهي ماثلة أمام أعينهم في مجتمع مجاور لهم.
هذا وقد اشتملت السورة على الأحكام المتعلقة بجوانب
الحياة كافة: العقيدة والشريعة، أما العقيدة فقد ابتدأت السورة ببيان أصناف الناس،
وختمت بأصول الإيمان، واشتملت على أدلة ربوبيته سبحانه، والدار الآخرة وأنها لمن
عمل صالحاً، ورد دعاوى اليهود والنصارى في دعواهم احتكار الجنة لهم، وبيَّنت
تفرقهم وتكفير بعضهم لبعض.
وفي التشريع شملت السورة جُل أبوابه، ففي العبادات:
الصلاة والصوم والحج، وفي المعاملات المالية: الولاية على اليتيم، والصدقة والبيع
والربا والرهن والإنفاق، وفي أحكام الأسرة: الوصية، والنكاح والطلاق، والوطء في
الحيض، والرضاع والإيلاء والخلع والعدة والخطبة، والعضل، وغيرها، وفي الأطعمة حرمة
الميتة والدم ولحم الخنزير، وفي الجنايات
القصاص وما يتصل به، وفي الإمامة أحكام الجهاد والقتال، والإكراه على الدين، وما يندرج
تحت ما يسمى اليوم بالعلاقات الدولية، وغيرها من الأحكام، فكأن السورة تعكس شمول
الدين للحياة كافة، فهي بينت الأحكام الأفقية المتعلقة بالمستويات الفردية
والمجتمعية، والرأسية وهي ما يتعلق بإدارة الدولة وتعاملها مع الأعداء، وما بين
الوطء في الحيض وإعلان القتال على كل معتد أحكام متنوعة وبألفاظ وتراكيب تتسم بالجلاء
والقوة والوضوح، وفي كل ذلك ذُيِّلت الآيات بالترغيب والترهيب والتزكية وبيان
العلل ونحو ذلك، ولذا كانت هذه السورة بحق «سنام القرآن» كما ثبت في السنة([4]).
في تفسير القرآن


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات