-->
»نشرت فى : الاثنين، 30 أغسطس 2021»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

تعلم السحر وتعليمه


 

اختلف العلماء في جواز تعلم السحر وتعليمه على قولين:

القول الأول: يجوز تعلم السحر، وإليه ذهب الفخر الرازي([1])([2])، وآخرون([3]).

واحتجوا بما يلي:

1-   وقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم.

2-   العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور؛ لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: )هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(.

3-   لو لم يعلم السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة،  والتعليم المساق للذم هنا محمول على التعليم للإغواء والإضلال([4]).

بل غالى الفخر الرازي وزعم وجوبه، وتابعه بعض المتأخرين فأوجبوا على المفتي تعلمه لكي يعرف حالات القتل بالسحر ونحوها([5]).

القول الثاني: حرمة تعلمه وتعليمه، وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة بل قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، وقالت الشافعية: تعلم السحر وتعليمه حرامان مفسقان حيث لم يكن فعلٌ مكفر، ولا اعتقاده([6]).

واستدلوا بما يلي:

1-   أن الله قد ذمه في القرآن وبين كفر متعلمه (نحن فتنة فلا تكفر).

2-   أن الرسول ﷺ  عده من الموبقات كما جاء عن أبي هريرة◙ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات([7]).

المناقشة والترجيح:

ما ذهب إليه الفخر الرازي ومن وافقه مناقش بما يلي:

1-   تعليم الملائكة السحر للناس كان للابتلاء كما تقدم.

2-   العلوم ليست كلها مشروعة؛ إذ إنها تدور على الأحكام الخمسة، فهناك العلوم الواجبة والمندوبة والمباحة والمكروهة والمحرمة، كما يعلم كل عاقل أن من العلوم النافع والضار، والمعيار في التمييز بينهما أمران: الشرع، والضرر، فما أجازه الشرع فهو جائز وما منعه فهو ممنوع، وما ثبت ضرره على الأفراد أو الجماعات والدول مُنع، وما ثبت نفعه أو انتفى ضرره أُبيح، والسحر على كلا الضابطين ممنوع؛ لأنه وصف بالكفر في القرآن، كما ثبت واقعياً ضرره على الأفراد والأسر والمجتمعات، فهو علم إذا صح تسميته علماً- مذموم بلا شك، ينفر منه كل عاقل يحترم ذاته فضلا عن مؤمن مسلم مأمور بالأخذ بالأسباب والاعتقاد السليم.

3-   السحر الذي فيه استخدام للجن أساسه تعظيم غير الله، وهذا لوحده كاف في تحريمه، ولهذا نص كثير من أهل العلم على كفر الساحر كما تقدم.

4-   دعوى توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوعة، ألا ترى أن أكثر العلماء أو كلهم إلا النادر عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر، كما أن السحر تخييل أما المعجزة فقلب للأعيان كما حصل مع موسى سحرة فرعون.

5-   لو كان تعلم السحر واجباً لأجل التمييز بين المعجزة والسحر لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنه لم ينقل عنهم شيء من ذلك، أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل أو أنه أخل به كما أخلوا([8]).

6-   إفتاء المفتي بوجوب القود أو عدمه لا يستلزم معرفته بعلم السحر؛ لأن صورة إفتائه على ما ذكره العلامة ابن حجر إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالبا قُتل الساحر([9]).

7-   ثبت في السنة كون السحر من الموبقات فكيف بعد ذلك يكون تعلمه واجبا!

وبهذا يتبين رجحان قول الجمهور وضعف قول المخالفين.


([1]) هو: أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين، فخر الدين، التيمي البكري الرازي، المفسر، من أئمة الأشاعرة الذين مزجوا الكلام بالفلسفة (606 هـ)، له مؤلفات، منها: «مفاتيح الغيب في تفسير القرآن الكريم»، و «لوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات»، و «معالم أصول الدين». ينظر: وفيات الأعيان 4/248، طبقات الشافعية للسبكي 8/81.

([2]) ينظر: تفسير الرازي 3/628.

([3]) ينظر: فتح الباري 10/224.

([4]) ينظر: تفسير الرازي 3/628، فتح الباري 10/224.

([5]) ينظر: عمدة القاري 14/63.

([6]) ينظر: فتح القدير 6/98، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/301، تحفة المحتاج، 9/62، المغني 9/28.

([7]) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب رمي المحصنات (6857)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (89)، وأبو داود (2874)، والنسائي (3671).

([8]) روح المعاني 1/340.

([9])ينظر: تحفة المحتاج 9/61.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015