هل للسحر حقيقة؟
اختلف أهل الإسلام في تأثير السحر وهل له حقيقة وواقع أو لا على قولين:
الأول: ذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى نفي تأثير السحر، وأنه لا يخرج عن أن يكون تمويها وتخييلا كأن يُطير الساحر عصفورا ويُخرج آخر كان قد أخفاه، أو يكون بمواطأة حيث يوكل الساحر من يطلع على أخبار الناس ثم يخبره فإذا ما جاء الزائر أخبره بشأنه، أو يكون نميمة ونحوها([1]).
واستدلوا بما يلي:
1- قوله تعالى: )يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى( فسمى الله السحر تخييلاً، أي أنه لا حقيقة له.
2- قوله تعالى: )ولا يفلح الساحر حيث أتى( نفى الله عنه الفلاح، وهذا يعني العجز عن قلب حقائق الأشياء؛ إذ لو استطا ع ذلك لأفلح، وهذا عكس ما تدل عليه الآية.
القول الثاني: الساحر له القدرة على التأثير، وإلى هذا ذهب جمهور أهل السنة، واستدلوا بما يلي:
1- قوله تعالى: )فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ( فأثبتت الآية وجود تأثير للسحر، فهو يفرق بين الرجل وزوجته.
2- قوله تعالى: )من شر النفاثات في العقد( تدل هذه الآية على تأثير السحر، ولهذا أمرنا بالاستعاذة من شر السواحر.
ثم اختلف أصحاب هذا القول في مدى مقدرة الساحر على قلب الأعيان على قولين:
القول الأول: للساحر القدرة على قلب الأعيان، وأن بإمكانه أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حمارا والحمار إنساناً، وهذا القول عزاه الرازي لأهل السنة([2]).
القول الثاني: ليس للساحر القدرة على قلب الأعيان، وأن ما يفعله مجرد تخييل وسحر للأعين، كما أن للساحر القدرة على التأثير النفسي، وتغيير المزاج، كالطلاسم المستخدمة فيما يسمى بالصرف والعطف، أي البغض والحب، كما يؤثر على البدن، فيكون نوعاً من المرض، وعُزي هذا القول إلى جمهور أهل السنة([3]).
يتبين مما تقدم رجحان قول الجمهور، فأدلتهم واضحة في كون الساحر له قدرة على التأثير كما حدث مع سحرة فرعون.
أما أدلة القول الأول فمناقشة بما يلي:
أولاً: يظهر عند التأمل في أدلة المعتزلة أنها تؤيد قول الجمهور؛ لأن قوله تعالى: (يخيل) يدل على قدرتهم على التأثير في بصر الناس بحيث يرون الحبال كالأفاعي، وهذا أسلوب من أساليب السحر لا يعترفون به.
ثانياً: ذكروا أنواع السحر عندهم، وأنه لا يخرج عن التمويه، والذي يسمى في عصرنا بـ (ألعاب الخفة)، وله اليوم كلياته، ومعاهده المتخصصة، ولا يعتمد ممارسه على أي نوع من أنواع الشعوذة، وإنما يعتمد على التمرين المستمر، والحيل المعدة سلفاً، وهذا لا يسمى سحراً حقيقة، وإن سُمي كذلك مجازاً عرفياً، وبالإجماع لا يعد صاحبه كافرا كما سيأتي بيان هذه المسألة.
أما الخلاف في قدرة الساحر على قلب الأعيان، فالمنصوص عليه هو القدرة على التخييل والتأثير النفسي وما عدا ذلك لا دليل عليه، وبهذا يكون القول الثاني هو الصحيح، أما عزو بعضهم القول الأول لأهل السنة فسببه أن بعض أهل العلم يحكي مذهب أصحابه أو من هم من درسته أو يحكي ما يغلب على ظنه أنه لا يخالف فيه أحد من أهل السنة أو لأن ما حكاه هو مبلغ علمه. الإيمان


اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات