مكتبات العلماء والمصير المجهول
بعض أهل العلم تكون مكتبته جميع ما يملك في هذه الدنيا، ثم يوقفها
جميعها لله تعالى، ثم بعد ذلك يضطر الورثة إلى أن يسألوا الناس، وكثير من أهل
العلم أموالهم كتبهم فقط، فما عرف الثراء عند أهل العلم إلا في العصور المتأخرة، فالعالم
الذي لا يملك إلا مكتبته لو باع هذه الكتب، أو أوقف ثلثها وباع الثلثين لصار مع أهله
وورثته شيء يقتاتون منه، وإن كان الورثة في الجملة يضيعون الكتب الموروثة، فكثير
من أهل العلم تذهب كتبهم، فلا يستفيد منها فيما لو كانت وقفاً، ولا ينتفع بها
الورثة؛ لأنهم لا يقدرونها قدرها، فتجد بعض الورثة كلما احتاجوا شيئاً باعوا كتاباً،
وبأبخس الأثمان حتى تفنى المكتبة جميعها، ومثل هؤلاء لا بد أن يعلمهم مورثهم نفاسة
ما سيرثونه من كتب، بل وجد من ورثة العلماء من رمى الكتب في الشارع، فذات مرة ذهبنا
إلى ورثة قاضٍ من القضاة القدامى، وكان يملك مكتبة نفسية، فأردنا أن نشتريها من
ورثته، فتفاجأنا بأنهم انتقلو من البيت القديم إلى بيت جديد، وأصرت النساء على ألا
تنتقل الكتب معهم، لأنها قديمة، وتجتمع عليها الفئران والصراصير، فرموها في الشارع،
ونقلوا أمتعتهم إلى البيت الجديد!
وعلى كل حال المشروع هو وقف الكتب أو الوصية بثلثها فيما لو كانت ثلث
ماله، وإلا وقفها جميعا فيما لو كان معه مال آخر، ولم تزد قيمة مكتبته على الثلث،
وهذا أحصن من التصدق بالمال، وإن كانت الظروف والأحوال تختلف باختلاف الناس، فمنهم
من تكون حاجته إلى المال أشد من الحاجة إلى الكتب، وقد تكون الحاجة إلى الكتب
واستمرار نفعها أفضل، فهذا العالم الذي ترك أولاده وورثته عالةً يتكففون الناس لا
شك أنه داخل فيما نهى عنه هذا الحديث.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات