-->
»نشرت فى : السبت، 2 يناير 2021»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الدعوة عبر القنوات الفضائية


 * معالي الدكتور عبد الكريم الخضير
_______________________

قد أُحدِث ما أُحدِث فيما يتعلق بوسائل الدعوة، وتباينت الأنظار والأهواء، والاجتهادات في حكمها، فهل يمكن أن تكون من سبيله ، أو لا؟

والوسائل تختلف اجتهادات أهل العلم فيها، فمنهم المتحري المتشدد، ومنهم المتوسع، فتجد بعض الدعاة يسلك مسالك مستحدثة، ويتوسع فيها توسعًا - في نظر غيره - غير مرض، مثل أن يقوم بالدعوة في أماكن تزاول فيها المعاصي.

وبعض الدعاة من أهل العلم يتورع ويحتاط أشد الاحتياط فلا يرى الدعوة إلا في المساجد، ومنهم من يتوسع قليلًا فيقول: «اجتماعات الناس محل الدعوة، لأن النبي كان يغشى الناس في مجالسهم»، فترى هذا الداعي يدعو في الأعراس، وفي أماكن اجتماع الناس، وفي مخيماتهم.

وفي المقابل مِن الدعاة من يتوسع بدون أيِّ قيد، فيغشى أماكن يخشى عليه من أن يُفتن بها، كدور المعاصي، حتى وصل الأمر إلى أن تزاول الدعوة عن طريق القنوات الماجنة، فيكون قبله امرأة عارية، وبعده موسيقى صاخبة، ويقول على حسب اجتهاده -: «ندعو من خلال هذه القناة التي يشاهدها خلق كثير، ولو تكلمنا في المساجد لفات هؤلاء؛ لأنهم لا يحضرون الصلاة، وكذلك إذا تكلمنا في الخطب في الجمعة، وكذلك الأمر لو تكلمنا في القنوات المحافظة؛ فلا يشاهدونها، وإذا تكلمنا من خلال إذاعة القرآن، فلا يستمعون إليها؛ ولذ نغشى هؤلاء ونغزوهم في قعر بيوتهم من خلال هذه القنوات».

وأمام هذه الاتجاهات يجب أن يُعلم أن الدعوة هي مما يُطلب بها ما عند الله - جل وعلا -، وكما قال رسول الله : «فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته»([1])، فالتوسع في مثل هذه الأمور من غير قيد ولا شرط غير مرض، والإحجام وعدم الإقدام؛ حيث إن الإنسان لا يتكلم خشية أن يقع في أمر لا أصل له شرعًا، فهذا غير مرض أيضًا.

وقد أدركنا من يتورع عن مكبر الصوت، فيخطب في الجمعة والناس لا يسمعونه.

وكان يفعل ذلك؛ لأن المكبر محدث، وهو يباشر عبادة، والمحدثات في الدين بدعة، وهذا له وجهة نظره ولا يثرب عليه، غير أن الصواب خلافه؛ فالكلام في التجمعات الكبيرة لا يصل إلا بواسطة هذه المكبرات، فتأخذ حكم المستملي، والمستملي هو الذي يبلغ كلام الشيخ([2])، وقد كان بعض المحدثين عند كثرة الجموع يتخذ المستملين؛ حيث إنهم لم يكونوا يستطيعون إسماعهم، فكان بعد كل خمسة صفوف أو بعد عشرة واحد، وعن يمينه واحد، وهكذا إلى عشرة مستملين أو عشرين، فالأول يسمع من الشيخ فيبلغ، ثم الذي بعده يسمع ممن يسمع منه فيبلغ، فحلت هذه المشكلة.

وأما اليوم فقد استبدلت وظيفة المستملي بمكبر الصوت؛ ولذلك أصبح يزاولها أهل العلم من غير نكير بينهم.

فالاحتياط الزائد الذي يوقع في شيء من الحرج الكبير مثل هذا، تجاوزه أولى، لكن لا يتوسع توسعًا؛ بحيث لا يتردد في شيء، فعليه ألا يقدم على شيء إلا بعد بينة.

وبعض العلماء قد يتورع عن شيء؛ إلا أنه يأمر به غيره؛ فلا يلج بعض الأمور ومنها القنوات، لكن لا يمنع من أن يدعو غيره ليظهر في القنوات ويفيد الناس، فهل هذا اضطراب في المنهج؟

عرف عن الشيخ ابن باز أنه كان يقول لبعض طلابه: «انفع الناس من خلال القنوات»، لكنه لم يكن يظهر فيها؛ لأن الشيخ كان يختلف أمره وحاله.

لهذا نقول: إن هناك علماء كبارًا - وهم قدوات - يحتج الناس بهم، فهؤلاء لا يجوز بحال أن يظهروا في مثل هذه الأماكن؛ لأن خروجهم في هذه القنوات تشريع للناس، لكن يبقى أن هناك من يُسقِط الواجبَ ظهورُهُ في هذه القنوات على حد فتوى من أفتى بذلك ممن لا يحتج بهم في استحلال هذه القنوات، وأنا لا أقول بهذا، ولا أتوسع فيه إطلاقًا: لا لنفسي ولا لغيري.

فالمقصود أن على الإنسان أن يتحرى في هذه الوسائل؛ لأنه يرجو ما عند الله، ويزاول عبادة، والعبادة الأصل فيها أنها توقيفية، لكن إذا رجحت المصلحة وغمرت المفسدة؛ بحيث لا يوجد أدنى ضرر، وليس هناك أدنى نقص، فقد يكون للاجتهاد مجال، وكل إنسان أعرف بنفسه، وظروفه، وهل هو ممن يتأثر مما يرى، أو لا يتأثر؟

__________

* من شرح كتاب التوحيد

([1]) روي هذا الحديث بهذا اللفظ عن عدد من الصحابة؛ منهم:

1- عبد الله بن مسعود ، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (34332)، والبيهقي في الشعب (9891)، والبغوي في شرح السنة (4111).

2- حذيفة ، أخرجه البزار (2914). قال في مجمع الزوائد 4/71: «فيه قدامة بن زائدة بن قدامة، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات».

3- أبو أمامة ، أخرجه الطبراني في الكبير (7694)، وأبو نعيم في الحلية 10/26. قال في مجمع الزوائد 4/71: «فيه عفير بن معدان، وهو ضعيف».

([2]) ينظر: الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع 2/65.


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015