زيارة القبور: مظاهر وأخطاء وأحكام
* معالي الشيخ/ عبد الكريم الخضير
________________________
زيارة القبور سنة عند عامة أهل العلم
لأدلة
كثيرة منها حديث مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور
فزوروها»، وقال بعضهم بوجوبها إتباعاً للأمر
،
لكن العلة تدل
على السنية، وهي قوله r كما في الترمذي:
«فإنها تذكر الآخرة»، ولا شك أن زيارة القبور فيها الأثر النافع سواء كان للزائر
نفسه أو المزور للاعتبار، والقبر أول منازل الآخرة، وكان عثمان -رضي الله تعالى
عنه- يتأثر كثيراً عند القبر ويبكي أكثر مما يتأثر بغيره؛ لأنه مرحلة حاسمة، لأن القبر إذا كان مريحاً
فما بعده أريح، وإذا كان غير ذلك فما بعده أشدّ.
لكن بعض الناس يزور القبور، لكنه قد لا
يتأثر، لما غشى القلوب من الران، ولما خالطه من شبهات وشهوات، وهذا يجده كل إنسان في
نفسه، وأذكر أن أحوال الناس قديما لم تكن كذلك، لقد كانت الجنازة إذا مرت من
الشارع بقي الناس متأثرون أسبوعاً، والسبب الخوف مما بعد الموت لا الموت نفسه، نعم
بعض الناس عنده خوف وهلع وجزع من الموت لكن ليس هذا هو ما نتحدث عنه، ولا هو
المطلوب، إن ما نعنيه هو المصير الذي ينتظر المرء عقب موته، ثم إن الخوف إن لم يكن
نافعاً فلا جدوى مه، والخوف النافع هو الذي يبعث على العمل، فإن لم يكن كذلك كان
صفة نقص.
ومن مظاهر تغطية الران على القلوب أن
تجد بعضهم وهم على شفير القبر يضربون في كل باب، فتجد تاجرا –مثلاً- يعرض المساهمات! وصاحب مهنة يعرض
مهنته على من يتوسم فيه التعامل معه، وثالث يرى غائباً عنه فينشغل بالحديث معه في
قضايا لا نفع فيها، بل وجد من يزاول المعصية على شفير القبر والعياذ بالله، فقد
رأيت رجلاً خمسينياً قد اشتعلت نصف لحيته شيباً يدخن على شفير القبر!
وفي مثل هذا الموطن لا نفرق بين البلدي
والغريب عنه، فلا يقال إن غير البلدي جاهل لا يعرف، كما يعلل بهذا بعضهم في كثير
من القضايا، فمثلا تجد أحدهم ينكر على بعض العمال الذين يتركون جوالاتهم على
الأنغام الموسيقية طوال فترة الصلاة، وينبهه على حرمة الموسيقى، فيتطوع بعضهم
بالرد والتحجج بأن هؤلاء عمال مساكين، وأنهم لا يعرفون بالحلال والحرام! وهذه
قيلت، وكأن هذا العامل مكتوب عليه أن يبقى جاهلاً، وكأنه ليس مسلماً مكلفا بأحكام
الشرع، والأصل أن يُعلَّم لا أن يترك وشأنه ، وإذا كان لا يفهم بالعربية أُفهم
بلغته.
المقصود أنه وجد مثل هذا التصرفات، ولا
شك أن هذا من موت القلوب، والقلوب لا بد لها من حياة، والقلب الذي ليس بسليم لا
ينفع {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [(88-89) سورة الشعراء] ومن أراد أن يستفيد في هذا الباب فليقرأ
تفسير القرطبي لسورة التكاثر.
إن تذكر الموت والآخرة والإكثار من ذلك مطلوب؛
لأنه لولا ذلك لاسترسل الناس في دنياهم، ونسوا العمل للآخرة، وذكر الموت، ورؤية
الأموات ومساكنهم يقطع اللذة على صاحبها، ولا يكون ذكر الموت فضلاً عن رؤيته في
قليل إلا كثَّره، ولا في كثير إلا قلَّله، والله المستعان.
________________
* من شرح الشيخ عبد الكريم الخضير على بلوغ المرام
الفقه



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات