-->
»نشرت فى : الجمعة، 9 أكتوبر 2020»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

عندما يخالط النور القلب.. بين السلف والخلف


 * معالي الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير 

جبير بن مطعم بن عدي جاء إلى النبيّ ♥ قبل أن يسلم في فداء الأسرى، فسمع النبيّ ♥ يقرأ في المغرب بسورة الطور، قال
كما عند البخاري-: «وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي»([1])، وانصرف ولم يسلم لكنه بدأ الإيمان يدب إلى قلبه؛ لأنه سمع كلامًا مذهلًا، والعربي الباقي على سليقته إذا سمع هذا الكلام العظيم لا يملك نفسه من التأثر به بخلاف أحوال المسلمين الآن، فهم لا يتذوقون القرآن، ولا يستشعرون عظمة المتكلم به، فمن منا اليوم من يتأثر بقوله -جل وعلا-: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [(8) سورة المدثر] لا تحرك عند كثير من المسلمين شعرة، وزرارة بن أوفى([2]) صلى بهم الصبح بالمدثر، فلما بلغها خرّ ميتًا([3]) وهذا واقع، لا يمكن إنكاره؛ لأن بعض النَّاس إذا سمع مثل الكلام استغربه، وقد ثبت الغشي عند سماع القرآن عن أئمة معروفين بالعلم والصلاح، منهم الربيع بن خثيم، ويحيى القطان شيخ أحمد-ô-، وغيرهم([4]).

نعم كثر من يدعي الغشي عند تلاوة القرآن حتى قال ابن سيرين: ميعاد ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثمَّ يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن وقع فهو كما قال([5]).

والحق أنه دخله المتكلفون، وممن كان يصعق من لا يشك في صدقه وديانته، والإنسان قد يغلب على أمره، وربما دهت أحدنا مصيبة فلم يملك نفسه وبكى، بل أحيانًا يتصرف تصرفات لا يدري كيف فعلها؛ لأن هذه المصيبة التي وقعت أقوى من قلبه، فغلبته.

وإنما لم يقع هذا في العهد الأول لأن قوة الوارد -وهو القرآن- وافقت قوة المورود عليه، وهو قلب النبيّ ♥، وقلوب أصحابه، فكانوا أقوى النَّاس قلوبًا، وأمتنهم ديانة، فلم يصعقوا مع شدة تأثرهم بالقرآن، واستشعارهم لعظمة المتكلم به، وبعدهم ضعفت القلوب، واستشعرت قوة الوارد، فلم تحتمل هذه العظمة، فصعقت عند سماعه([6]).

 ثمَّ خلفت خلوف لا يستشعرون قوة، مع ضعف القلوب، فلم يتأثروا البتة بما يسمعون! وكأنه لا يتلى عليهم شيء البتة.

وجبير كاد قلبه أن يطير وهو في حال كفره، وتحمل هذا الخبر أيضًا حال كفره، فيجوز في حال التحمل انتفاء بعض شروط الأداء، فيتحمل الكافر، ويتحمل الصبي الصغير، ولكن لا يؤديه إلا مسلمًا، مميزًا، فجبير بن مطعم تحمل هذا الخبر، وهو كافر، وأداه بعد إسلامه، فقبله النَّاس منه، وخرجت في الصحيحين، فلو قال لك ثقة من النَّاس الآن وكان فاسقًا، فصلح حاله: إنا كنا سمعنا من فلان قال كذا وكذا، هل تقبل خبره؟ نعم؛ لأن المطلوب العدالة حال الأداء لئلا يكذب أو يخطئ.

______________________

* من شرح عمدة الأحكام، والذي سيطبع قريباً بإذن الله تعالى.



([1]) البخاري، كتاب المغازي، باب (4023).

([2]) هو: زرارة بن أوفى العامري الحرشي، قاضي البصرة، ثقة عابد، توفي سنة: (93هـ)، أخرج له الجماعة. ينظر: تقريب التهذيب (2009).

([3]) صلى بالناس الفجر فلما بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} شهق شهقة فمات. ينظر: صفة الصفوة (2/135)، سير أعلام النبلاء (4/516).

([4]) ينظر: الآداب الشرعيَّة (3/105)، غذاء الألباب (1/312).

([5]) ينظر: سير السلف الصالح (ص:920).

([6]) ينظر: جامع المسائل (1/233).

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015