عندما يخالط النور القلب.. بين السلف والخلف
* معالي الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
نعم كثر من يدعي الغشي عند تلاوة القرآن حتى قال ابن سيرين: ميعاد
ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثمَّ يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن
وقع فهو كما قال([5]).
والحق أنه دخله المتكلفون، وممن كان يصعق من لا يشك في صدقه
وديانته، والإنسان قد يغلب على أمره، وربما دهت أحدنا مصيبة فلم يملك نفسه وبكى،
بل أحيانًا يتصرف تصرفات لا يدري كيف فعلها؛ لأن هذه المصيبة التي وقعت أقوى من
قلبه، فغلبته.
وإنما لم يقع هذا في العهد الأول لأن
قوة الوارد -وهو القرآن- وافقت قوة المورود عليه، وهو قلب النبيّ ♥، وقلوب أصحابه،
فكانوا أقوى النَّاس قلوبًا، وأمتنهم ديانة، فلم يصعقوا مع شدة تأثرهم بالقرآن،
واستشعارهم لعظمة المتكلم به، وبعدهم ضعفت القلوب، واستشعرت قوة الوارد، فلم تحتمل
هذه العظمة، فصعقت عند سماعه([6]).
ثمَّ خلفت خلوف لا
يستشعرون قوة، مع ضعف القلوب، فلم يتأثروا البتة بما يسمعون! وكأنه لا يتلى عليهم
شيء البتة.
وجبير كاد قلبه أن يطير وهو في حال كفره، وتحمل هذا الخبر
أيضًا حال كفره، فيجوز في حال التحمل انتفاء بعض شروط الأداء، فيتحمل الكافر،
ويتحمل الصبي الصغير، ولكن لا يؤديه إلا مسلمًا، مميزًا، فجبير بن مطعم تحمل هذا
الخبر، وهو كافر، وأداه بعد إسلامه، فقبله النَّاس منه، وخرجت في الصحيحين، فلو
قال لك ثقة من النَّاس الآن وكان فاسقًا، فصلح حاله: إنا كنا سمعنا من فلان قال
كذا وكذا، هل تقبل خبره؟ نعم؛ لأن المطلوب العدالة حال الأداء لئلا يكذب أو يخطئ.
______________________
* من شرح عمدة الأحكام، والذي سيطبع قريباً بإذن الله تعالى.
([2]) هو: زرارة بن أوفى العامري الحرشي، قاضي
البصرة، ثقة عابد، توفي سنة: (93هـ)، أخرج له الجماعة. ينظر: تقريب التهذيب
(2009).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات