-->
»نشرت فى : الخميس، 8 أكتوبر 2020»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

حكم تطويل الصلاة وتخفيفها


 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفِّف، فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم بنفسه فليطول ما شاء»([1]).

الشرح

هذا حديث جليل القدر يتعلق بقضية من أهم قضايا العبادة، والتي لها علاقة باالألفة والاجتماع، وهي التخفيف على المأمومين، وقد اشتمل هذا الحديث على فوائد منها:

الفائدة الأولى:

اختلف أهل العلم في حكم تخفيف الإمام على المأمومين ومراعاة أحوالهم على قولين، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى الاستحباب وكراهة التطويل، ورأوا أن الصارف لهذا الأمر هو التعليل لأن مفهومه إنهم إذا رضوا أو لم يكن في لاقوم من هذه صفاته فلا بأس([2])، وبعضهم جعل الصارف ما ثبت من تطويل النبي r في بعض الصلوات كما سيأتي([3])، وذهب الحنفية والشافعي في قول، واختاره بعض المالكية وابن حزم والشوكاني إلى وجوب التخفيف وحرمة التطويل لصريح الأمر الوارد في هذا الحديث وغيره([4])، وأما الصارف الفعلي فلا يعارض القولي لما سيأتي.

وعلة الأمر بالتخفيف بينها الحديث، وهي أن في المأمومين من يعجز عن الوقوف أو من يتضرر به إما لمرضه أو لضعفه أو لحاجته كان يكون صاحب تجارة أو عاملاً في دوام معين أو نحو ذلك، وحاجات الناس كثيرة.

الفائدة الثانية:

في قوله r: (وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) هذا الشق الثاني للحديث وهو تأكيد للحديث الأول، بمعنى أن على المأموم أن يفرق بين هذين المقامين، وهما الصلاة للناس والصلاة لنفسه ولا يظن أن الحكم فيهما واحدا، فهو إذا أحب التطويل وأراد أن يطبق ما يسميه لاسنة فعليه أن يصلي لوحده أو أن يبحث له عن قوم يوفقونه في مذهبه أما أن يثقل على الناس بحيث يُلجئ بعضهم إلى قطع مسافات إلى مسجد آخر وقد يكون في المأمومين هؤلاء نساء وأطفال فوالله إن هذا الإما داخل في قوله r: (اللهم من ولي من أمر فشق عليهم فاشقق عليه)([5])، هذا علاوة على مخالفته لهذا الحديث وأمثاله، وللأسف أن بعض الأئمة يعجبه صوته بالمكبر فيطيل بالناس وإذا طلبت منه أن يصلي لنفسه بهذا التطويل لا يفعل شيئا ويريد أن يطبق السنة حسب فهمه على حساب أوقات الناس وحاجاتهم وضعفهم ومرضهم..

الفائدة الثالثة:

هذا الحديث يعم الفرائض والنوافل إلا ما ثبتت السنة بالتطويل فيه، ومع هذا فإن التطويل فيها نسبي كالكسوفين، لأن هذا الحديث وأمثاله أصل عام لا يشذ عنه إلا ما كان لسبب ما، وورود ما يخالف هذا في موضع ما سواء في الفرائض أو غيرها أفعال، والأصل أن القول مقدم على الفعل لأن الفعل محتمل للتخصيص أو لكون القوم محصورين راضين بالتطويل ونحو ذلك، فالتراويح مثلا يستحب جمهور أهل العلم أن يختم الإمام ختمة فيها ولا يزيد عليها إلا أن يرضى المأمومون([6]) لكن هذا الاستحباب مقيد بهذا الحديث ونظائره.

الفائدة الرابعة:

يشمل التخفيف جميع أركان وسنن الصلاة، واختلفوا في ضابطه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يقتصر الإمام على أدنى الكمال أو ما يزيد عليه شيئا يسيرا، كأن يسبح في الركوع ثلاثا وفي السجود مثل ذلك، وهكذا في بقية الصلاة، وعلى هذا جمهور أهل العلم([7]).

القول الثاني: ليس للتخفيف ضابط معين لأنه يختلف باختلاف حال المأمومين وقراءة الإمام وحسنها وترسله فيها أو عدمه، فالتخفيف مسألة نسبية، تختلف باختلاف الأحوال والأقوام، ويحتجون بأن النبي r صلى المغرب بالأعراف([8]) والطور([9])، والفجر بالصافات([10])، والروم([11])،  وأن الضابط هو ما ثبت في السنة، فأصحاب هذا القول راموا الجمع بين هذا الحديث الذي رأوه مجملاً وبين السنة التي بينت صفة صلاته r.

القول الثالث: ضابط التخفيف هو الاقتداء بأضعف القوم لحديث عثمان بن أبي العاص: (واقتد بأضعفهم)([12])، فيكون الأضعف هو معيار التخفيف، وإلى هذا ذهب ابن حزم وابن حجر([13]).

والذي يظهر أنه لا تعارض كبير بين هذا الضابط وما ذهب إليه الجمهور، لأن القدر المسنون لا يزيد على صلاة أضعف المصلين([14]) لكن ينتبه لأمر مهم وهو أن الإمام يؤدي الأذكار بترسل، ولا يعجل فيها وإلا كانت الصلاة نقرا لأن بعض الأئمة يسبح ثلاثا على مثلا مستعجلا فيها، فينقر الصلاة ويرهق المأمومين ويضر ببعضهم ممن يعاني من مشاكل صحية، وهذا مخالف للسنة،  ونقول لمثل هذا حينئذ: اقتد بأضعف القوم، لأن الضعف ليس شرطا أن يكون في العجز عن إطالة الوقوف ونحوه وإنما أيضا في تقصير بقية الأركان والاستعجال فيها، ولهذا فإن الأصل هو مراعاة حال المأمومين من خلال معرفة الإمام بهم وخبرة بأحوالهم.

أما ما ذهب إليه أصحاب الضابط الأول من جمع معارِض تماما لحديث معاذ والذي فيه تحديد لسور معينة ونحوها وسيأتي، كما أنه بلا شك أن الزائد زيادة مفرطة لا تلزم المأمومين وقد تضر به، وفي هذا فتنة عظيمة لهم وتزهيد لهم في صلاة الجماعة، ولهذا فرق الجمهور بين مقامين:

الأول أن يؤم قوما محصورين راضين بالتطويل، فهؤلاء له أن يطول بهما ما يشاؤون، وعلى هذه المقام تحمل قراءة الأعراف ونحوها، ومعنى قولنا: (محصورين) أي يمكن معرفة عددهم من خلال النظر كعشرين وخمسين، فهؤلاء إذا رضوا بالتطويل، ولم يكن المسجد مطروقا أو مسجد مسافرين جاز للإمام التطويل وقراءة نحو السور التي وردت في السنة.

المقام الثاني: ألا يكونوا محصورين، أو كان المسجد مطروقا أو مسجد مسافرين أو محصورين ولم يرضوا بالتطويل لم يجز للإمام أن يطول بهم بل يجب عليه التخفيف، وسيأتي ضابط التخفيف، وهذا التفصيل هو ما عليه المالكية والشافعية والحنابلة([15])، أما الحنفية فكرهوا التطويل مطلقاً لعموم هذا الحديث([16]).

الفائدة الخامسة:

وليس في هذا حجة للنقارين لأن المقصود بالاقتصار على أدنى الكمال أن يأتي بها الإمام مترسلا لا عجلً ينقرا الصلاة نقراً، فقد ثبت في السنة من حديث أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل، فقام يصلي، فجعل يركع وينقر في سجوده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذا، من مات على هذا مات على غير ملة محمد، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم، إنما مثل الذي يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين، فماذا تغنيان عنه، فأسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار، أتموا الركوع والسجود»([17]).

الفائدة السادسة:

استدل الشافعية بهذا الحديث على مشروعية تطويل القراءة حتى يخرج الوقت، لأنه r قال: (فليطول ما شاء)، لكن نظر في هذا الحافظ ابن حجر، وعلل نظره بأن ما ذهبوا إليه «يعارضه عموم قوله r في حديث أبي قتادة: «إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى» أخرجه مسلم([18])، وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى»([19]).



[1])) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة (467)، وأبو داود (794)، والترمذي (236)، والنسائي (823).

[2])) ينظر: حاشية ابن عابدين (1/564)، كشف اللثام (2/301).

[3])) ينظر: الفواكه الدواني (1/179)، المجموع (4/227)، الروض المربع (ص:128).

[4])) ينظر: الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (1/564)، الاستذكار (1/441)، شرح القسطلاني على البخاري (2/59)،

[5])) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (1828) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[6])) ينظر: بدائع الصنائع (1/289)، شرح الخرشي على خليل (2/8)، إعانة الطالبين (1/307)، مطالب أولي النهى (1/566).

[7])) ينظر: حاشية ابن عابدين (1/564) والمراجع السابقة.

[8])) إشارة إلى حديث مروان بن الحكم حيث قال: قال لي زيد بن ثابت: «ما لك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين». أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب (764)، وأبو داود (812) وفيه زيادة: «قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف»، وقد اتفقوا على أن طولى الطوليين هي الأعراف واختلفوا في الأخرى على أقوال، المحفوظ منها الأنعام، وقيل: المائدة، وقيل: يونس. ينظر: فتح الباري (2/247).

[9])) إشارة إلى حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه حيث قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور». أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب (765)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (463)، وأبو داود (811)، والنسائي (987)، وابن ماجه (832).

[10])) إشارة إلى حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه حيث قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات». أخرجه النسائي، كتاب الإمامة، الرخصة للإمام في التطويل (826)،  وأحمد (4796)، وصححه ابن خزيمة (1606)، وابن حبان (1817).

[11])) إشارة إلى حديث رواه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم فالتبس عليه، فلما صلى قال: «ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك». أخرجه النسائي، كتاب الافتتاح، القراءة في الصبح بالروم (947)، وأحمد (23072)، وحسنه ابن كثير في تفسيره (6/329) ثم قال: «وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه، عليه السلام تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام».

[12])) تخريج

[13])) ينظر: المحلى (4/99)، فتح الباري (199).

[14])) ينظر: حاشية ابن عابدين (1/564).

[15])) ينظر: الفواكه الدواني (1/179)، تحفة المحتاج (2/31)، الروض المربع (ص:128).

[16])) ينظر:  تبيين الحقائق (1/135)، حاشية الطحطاوي (ص:304).

[17])) أخرجه ابن خزيمة (665)، وحسنه المنذري في الترغيب (7)، وقال في مجمع الزوائد (2/ 121): «رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى وإسناده حسن».

[18])) تخريج

[19])) فتح الباري (2/200).

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015