شرح حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)
وعن جابر بن عبد الله
-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجعلت لـي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِ، وأحلت
لـي الغنائم، ولم تـحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يـبعث إلى قومه
خاصة، وبعـثت إلى الناس عامة»([1]).
الشرح
في
هذا الحديث جملة من خصائص النبي ﷺ وهي أيضاً خصائص لأمته، ولا تنحصر الخصائص في هذه
الخمس لأنها أكثر من هذا العدد، إذ إن الله سبحانه كان يخبر نبيه بخصائص زائدة على
ما أخبره من قبل، وقد جمع السيوطي كتابا في الخصائص الكبرى والذي طبع في ثلاثة
أجزاء، «وكان أول من تكلم في الخصائص: الإمام الشافعي،
واقتفى أثره أبو العباس بن القاص، وأبو بكر البيهقي، إلا أن ذلك لم يكن في تصنيف
خاص، وأول من أفردها بالتصنيف: العلامة ابن دحية الكلبي، المتوفى سنة 633هـ في
كتابه: (نهاية السول في خصائص الرسول)» ([2])
لكن هذه الكتابات تضخمت مع عامل الزمن وخاصة في عصور التقليد والتي حاول بعضهم
التكثر وتسويد الصفحات بأكثر عدد من الروايات والخصائص حتى ولو كانت ضعيفة أو
موضوعة، ولهذا لم تخل جل هذه الكتب من غلو ترتب على أحاديث موضوعة([3])،
وزادوا بأن جعلوا كل ما قيل فيه ولو على ضعف إنه خصيصة مع أن الأصل في أفعال النبي
ﷺ التشريع، ولا يجوز الحكم على فعل أو قول بأنه خاص بالنبي ﷺ إلا بدليل صحيح صريح
أما الاحتمالات فلا يجوز الاعتماد عليها كما زاد الطين بلة أن زاد بعضهم تفريعات
فقهية وبيان اختلافات الفقهاء وأدلتهم، فخرجت كتب الخصائص عن مقصودها وافتقدت
المنهجية التي كان ينبغي أن يسير عليها المؤلف.
وقد
تضمن هذا الحديث جملة فوائد منها:
الفائدة
الأولى: أن النبي ﷺ نصره الله بالرعب مسيرة شهر فبمجرد أن يسمع العدو بتحركه أصيب
بالهلع، وهذه المسافة تقدر بألف ومئتي كيلو، وفي رواية: «مسيرة شهرين»([4])،
وجمع بينهما بأن ذكر الشهر أي ذهابًا،
والشهرين ذهابًا وإيابًا([5])،
وهذه الخصيصة هي أيضا لأمته ﷺ ممن يمشون على دربه ويتبعون سنته، ويقتدون به في
أقوالهم وأفعالهم، والعكس بالعكس، فالأمة اليوم تعاني من الخور والضعف وسيطرة
عدوها عليها لبعدها عن كتاب ربها وهدي نبيها.
الفائدة
الثانية: كانت الأمم السابقة لا تصلي إلا
في أماكن مخصصة للعبادة وهذا بخلاف الإسلام الذي يجوز للمسلم فيه أن يصلي أينما
أدركته الصلاة، وهذا من مظاهر تيسير الله على عباده المسلمين، ومن تجليات حديث: «بعثتُ بالحنيفيَّة السَّمحة»([6]).
الفائدة الثانية: من الخصائص أن جعل الله
سبحانه الأرض طهوراً للمسلم، وهذا هو الشاهد من الحديث، وبهذا الحديث احتج الحنفية
والمالكية على جواز التيمم بكل ما صعد على الأرض وكان من أجزائها، وقيده الشافعية
والحنابلة بما في صحيح مسلم عن حذيفة: «وجعلت تربتها لنا طهوراً»([7])، فخص التربة بالطهورية، وأجيب عن هذا
بأن هذا ليس من باب المطلق والمقيد، وإنما من باب الخاص والعام، وأن ما في صحيح
مسلم هو تنصيص على بعض أفراد العام بما لا يخالف حكمه، وهذا لا يقتضي تخصيصًا([8])،
وأن ذكر التراب إنما كان للاهتمام به، والعناية بشأنه([9]).
الفائدة الثالثة: كانت الغنائم محرمة على
الأمم السابقة فكانوا إذا غنموا شيئا جمعوه فإن كانت مما يبتغى به وجه الله نزلت
نار من السماء تحرقه، وفي شرعِنا يقول تعالى: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا)،
ويقول رسولُه ﷺ: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي»([10])؛
ولذا ذهب بعض أهلُ العلم إلى أنَّ أطيبَ المكاسِبِ هي الغنائمُ، لأنَّها رزق النبيِّ
-عليه الصلاة والسلام-، فهي أفضلُ المكاسب على الإطلاق([11])،
أما مذهب الشافعي وأحمد فرأوا أن الزراعة هي أفضل المكاسب «لأنها أعم نفعا وأقرب للتوكل وأسلم من الغش ثم
الصناعة؛ لأن فيها تعبا في طلب الحلال أكثر ثم التجارة»([12]).
الفائدة الرابعة: أعطي النبي ﷺ عدة شفاعات أعظمها
هي الشفاعة العظمى، وهي وهي لإراحة الناس من هول الموقف، وهي المقام المحمد، وهي مختصة
بنبينا محمد ﷺ([13]).
الفائدة الخامسة: من خصائصه -عليه الصلاة
والسلام- عموم رسالته إلى الثقلين، ولهذا ثبت في السنة قوله ﷺ: «والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد
من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب
النار»([14]).
([1])أخرجه البخاري، كتاب التيمم (335)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا (521)، والترمذي (1553)، والنسائي (432).
([3]) صدر تهذيب لكتاب الخصائص الكبرى
للسيوطي قام به الشيخ عبد الله التليدي اقتصر فيه على الصحيح والحسن.
([4]) أخرجه البيهقي في الكبرى (4065) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه،
والطبراني في الكبير (11047) بلفظ: «شهر أو شهرين»، و( 11056) بلفظ: «نصر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهرين على عدوه» من حديث ابن
عباس رضي الله عنه، و(6674) بلفظ: « ونصرت بالرعب شهرا أمامي، وشهرا خلفي» من حديث
السائب بن يزيد رضي الله عنه، وجميعها لا تصحُّ خلا حديث ابن عباس فقد صححه الحاكم
وخالفه الذهبي. ينظر: المستدرك (8568)، مجمع الزوائد (13949)، طرح التثريب
(7/213).
([6]) أخرجه
أحمد (24855) بإسناد حسن كما قال الحافظ في تغليق التعليق (2/43) من حديث عائشة
رضي الله عنها، وجاء من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قيل لرسول الله صلى
الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة». أخرجه البخاري
في صحيحه معلقًا (1/61) في كتاب الإيمان، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، وقد وصله في الأدب المفرد (287)،
وأحمد في المسند (2107)، وحسن الحافظ إسناده في الفتح (1/49)، وقال ابن الملقن في
التوضيح (3/80): «أسنده أحمد من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به».
([9]) يُنظر: وبهذا قال الحنفية والمالكية إجمالاً. ينظر: الاختيار
لتعليل المختار (1/20)، الفواكه الدواني (1/156).
([10]) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض، كتاب الجهاد والسير، باب ما
قيل في الرماح، قبل حديث (2914)، وأحمد (5114) من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وقد
احتج به الإمام أحمد وغيره كما قال شيخ الإسلام، وقال الحافظ العراقي: «إسناده
صحيح».
ينظر: العلل
للدراقطني (9/272)، التمهيد (11/76)، حاشية ابن القيم على تهذيب السنن (11/52)،
المغني عن حمل الأسفار (1/420)، تغليق التعليق (3/445)، فتح الباري (6/98).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات