شرح حديث: (لا صلاة بحضرة طعام) وفوائده
وعن عائشة -رضي الله
عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أقيمت
الصلاة وحضر العَشاء فأبدوا بالعَشاء»([1]).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- نحوه([2]).
ولمسلم: قالت: سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو
يدافعه الأخبثان»([3]).
الشرح
الفائدة
الأولى:
يستحب لمن حضر
عشاؤه قبل أن يؤدي الصلاة أن يتعشى ثم يصلي، والعشاء المقصود به ما يؤكل في العشي،
والعشي يبدأ من بعد الزوال إلى طلوع الفجر، وهذا هو الاستعمال اللغوي خلافا لما هو
العرف اليوم في معظم بلاد العرب، وإن كانت بعض المناطق كمنطقتي لا زالت تسمي
الغداء عشاء، وعلى هذا فإن المراد بالصلاة هو الجنس الصادق على الظهر والعصر والمغرب
والعشاء.
ويحتمل أن
تكون (ال) في (الصلاة) للعهد والمراد بها صلاة المغرب ففي الصحيح عن أنس مرفوعًا: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب»([4])، وفي رواية عنه: «إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ
بالعشاء قبل صلاة المغرب...» ([5]).
الفائدة الثانية:
دلت الرواية الثانية على أن الاستحباب السابق يعم جميع
الصلوات، ووجه الدلالة أنه r قال: (لا صلاة) و(لا) هي النافية للجنس،
فتشمل الصلوات الخمس المفروضات ومن باب أولى غيرها من الرواتب والنوافل سواء
المؤكدة كالوتر أم غيرها.
الفائدة الثالثة:
قوله r: (لا صلاة) نفي للكمال لا للصحة، فمن صلى بحضرة
الطعام ارتكب مكروها وأجزأت صلاته أي يسقط بها الطلب ولكن لا أجر فيها، وعلى هذا
جماهير أهل العلم([6])، وخالف الظاهرية فأبطلوا الصلاة([7]).
الفائدة الرابعة:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن المندوب هو أكل ما تُكسر به سورة
الجوع أي حدته ولا يشبع إلا أن يكون
الطعام مما يؤتى عليه مرة واحدة كالسويق واللبن لئلا تفوت الجماعة، وذهب آخرون إلى أن المراد الشبع أو قضاء
النهمة، واحتجوا برواية ابن عمر التي أشار إليها المصنف، ولفظها: (إذا وضع عَشاءُ
أحدِكم، وأقيمتِ الصلاةُ، فابدؤوا بالعَشاء، ولا يَعْجَلَن حتى يفرغَ منه)([8])، زاد البخاري: وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة،
فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام([9])، وكلا القولين في مذهب الشافعي، والثاني هو المعتمد([10]).
الفائدة الرابعة:
الاستحباب المتقدم إنما هو لمن كان في حاجة للطعام وهذا هو
ما دلت عليه روايات الحديث كرواية ابن عمر وغيره، ولا يشترط الجوع الشديد أو
الظاهر بل توقان النفس –أي اشتياقها- كاف في العمل بهذه السنة، لأن كثيرا من
الفواكه والمشارب اللذيذة قد تتوق النفس إليها من غير جوع ولا عطش([11])، أما من لم يكن بحاجة أو لم تتق نفسه وفاتته الجماعة أو
بعضها بسبب تناوله العشاء الذي لم يكن بحاجة إليه يكون قد فوت على نفسه أجر
الجماعة كما هو مذهب الجمهور، أو ارتكب محرما كما هو مذهب الحنابلة وبعض الشافعية.
الفائدة الخامسة:
لو أن المرء بين خيارين: بين أن يأكل الطعام وتفوته الجماعة
أو يدرك الجماعة ويطعم عقب الصلاة كانت السنة في الأول، ويحوز أجر الجماعة إذ إن
تناول الطعام رخصة رخصها الشارع، وعذر في ترك الجماعة أو عدم إدراك بعضها، والذي
لولاها لأدرك الجماعة، وهذا هو فائدة العذر فيما لو قلنا بسنية صلاة الجماعة، إذ
يحوز المصلي الأجر عند تحقق العذر أو الرخصة، ولا يحوزه إن انتفيا.
الفائدة السادسة: العلة في النهي المتقدم هو انشغال القلب
عن الخشوع في الصلاة، أو عن كماله، والذي قد يؤدي إلى الإخلال بببعض شروط أو أركان
الصلاة والخشوع سنة عند الجمهور([12])، ومنهم من أوجبه([13])، ومنهم من جعله شرطًا من شروط الصلاة([14]) وممن أوجبه الغزالي -رحمه الله- في الإحياء، وأطال في تقريره([15])، وابن تيمية وآخرون([16])، ولا شك أن الخشوع لب الصلاة، وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل
منها، فعن سفيان الثوري: «يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها» ([17])، وهذا الأثر وإن لم
يثبت مرفوعاً([18]) إلا أنه من حيث المعنى ظاهر، ويدل عليه الحديث الصحيح: «إن الرجل لينصرفُ وما كُتب له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها،
ثُمُنُها، سُبْعُها، سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثها، نصفُها»([19])، ولهذا كان لزاما على المسلم أن يحرص على نفي كل ما يشغله عن
الصلاة أو يفضي إلى نقصان ثوابها، لم لا وهي ركن الإسلام الركين بعد الشهادتين،
وهي العهد الذي من تركه فقد كفر كما ثبت في الحديث.
الفائدة السابعة:
قاس الشافعية والحنابلة الشراب على الطعام، فإذا حضر الشراب
والصلاة وكانت نفسه تتوق للشراب شرب منه حاجته ولو فاتت الجماعة([20])، وقاس الحنابلة الجماع عليه أيضاً([21])،
الفائدة الثامنة:
لم يشترط الشافعية حضور الطعام حقيقة بل جعلوا في حكمه رجاء
حضوره عن قرب، كأن أقيمت الصلاة والطعام على النار وبقي لنضجه القليل أو كان
العصير يعدّ في آلته، فيؤخر الصلاة وينتظر طعامه أو شرابه ويتناوله ثم يصلي([22]).
الفائدة التاسعة:
شرط جمهور أهل العلم في استحباب تقديم الطعام ونحوه عدم
فوات الوقت، فإذا خشي فوات الوقت بحيث لا يبقى ما يسعها فيما لو طعم أو شرب وجب
تقديم الصلاة أولا ثم الطعام([23])، وذهب بعض الشافعية إلى تقديم الطعام مطلقا عملا بعموم
الأحاديث المتقدمة([24]).
الفائدة العاشرة:
تكره الصلاة أيضاً عند مدافعة الأخبثين، وهما البول والغائط
ومثلهما الريح لحديث الباب للعلة السابقة، وإذا كُرهت الصلاة على هذه الحال
فالجماعة من باب أولى، فلو خشي فوت الجماعة كانت السنة أن يتخلف ليفرغ نفسه.
الفائدة الحادية عشرة:
ليس في حديث الباب ما يدل على تقديم حق العبد على حق الرب،
لأن الأمر بإزالة الموانع المتمثلة في الأكل والشرب ونحوهما وإفراغ الجوف إنما كان
لمصلحة الصلاة التي هي حق الرب، ولينا هنا مسألتان مختلفتان:
الأولى: تعارض حق الله مع حق العبد نفسه، ففي هذه المسألة يقدم حق الله مطلقا إذ
إن الأحكام الشرعية تكاليف، ومبنية على امتثال وتسليم العبد، ولأن الأحكام مبنية
في الأصل على مخالفة الهوى كما يقول الشاطبي رحمه الله([25]).
([1]) أخرجه البخاري، كتاب
الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (671)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال (557)، وابن ماجه
(935).
([2]) أخرجه البخاري، كتاب
الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (673)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال (559)، وأبو داود
(3757)، والترمذي (354)، وابن ماجه (934).
([3]) كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال (560)، وأبو داود
(89).
([4]) أخرجه البخاري، كتاب
الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (672)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال (557)، وابن ماجه
(933).
([5]) أخرجه الطبراني في
الأوسط (5075)، وصححه ابن حبان (2068)، وقال الهيثمي في المجمع (2191): « رواه
الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح».
([6]) ينظر: البحر الرائق (2/35)،بلغة السالك (1/231)، إعانة الطالبين
(1/226)، المغني (1/450)، مطالب أولي النهى (1/480)
([12]) ينظر: مجمع الأنهر
(1/91)، الفواكه الدواني (1/123)، نهاية المحتاج (1/547)، حاشية الروض المربع
(2/132).
[19])) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نقصان الصلاة (796)،
والنسائي في الكبرى (612)، وأحمد (18894)، من حديث عمار بن ياسر ؓ، وصححه ابن حبان
(1889)، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/203).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات