اللباس والزينة بين الحكم الشرعي وعواقب التساهل فيهما*
معالي الشيخ الدكتور/ عبد الكريم الخضير
اللباس أمر مشترك بين الرجال والنساء،
ومع الأسف الشديد نجد المخالفات من الجنسين، فالرجال يلبسون ما حرم الله عليهم من
حرير وغيره، ويلبسون الثياب التي تبين عن سوءاتهم أحيانًا، وكل هذا لا يجوز،
فالستر مطلوب من الرجال، فعورة الرجل لا يجوز أن يطّلع عليها أحد إلا زوجته أو ما
ملكت يمينه، والمرأة كذلك يحرم عليها اللباس الذي يبدي جسدها، بل الأمر فيها أشد؛
لأن الافتتان بها أعظم.
وعورة الرجل من السرة إلى الركبة،
وسترها شرط من شروط صحة الصلاة، كما يجب ستر المنكبين لقوله r: «لا يصلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، وهذا الوجوب ليس شرطا في صحة الصلاة،
فمن صلى كاشفا عن عاتقيه لم تبطل صلاته لكنه آثم، وهذا بخلاف ستر العورة.
أما المرأة فعورتها في الصلاة جميع
بدنها إلا الوجه، ومنهم من يستثني الكفين([4])، ومنهم من يستثني القدمين([5])، فالأطراف محل خلاف بين أهل العلم،
أما ما عدا ذلك فمحل إجماع([6]).
أما عورة المرأة مع الرجال الأجانب
فهو جميع بدنها، فلا يجوز لها أن تبدي شيئا منه البتة وأدلة الحجاب كثيرة جدًا([7]).
أما عورة المرأة عند النساء فهي مثل
عورتها عند محارمها؛ لأن النساء عطفن على المحارم في آيتي النور والأحزاب([8])، فحكم النساء حكم المحارم، فتبدي
للنساء ما تبديه لأخيها وعمها وخالها ووالد زوجها وابن زوجها، وما عدا ذلك لا يجوز
إظهاره([9])، ويحصل
من النساء اليوم تساهل كبيرٌ في ستر عوراتهن أمام بعضهن، وهذه مشكلة نعانى
منها الأمرَّين وما يحصل في محافل النساء واجتماعهن في الأفراح والأعراس
والمناسبات شيء لا يخطر على بال.
فعلى المسلم رجلًا كان أم امرأة أن
يتقي الله -جل وعلا-، ولا يتسبب في سلب هذه النعمة، فيتمنى حينها ما يستر عورته
فلا يجد، وقد حدث هذا لبعض المسلمين، ولهذا نجد في كتب الفقه أحكام صلاة العراة،
فليس من المستحيل أن يُبتلى بعض الناس بهذا البلاء عقوبة لهم على ما صنعوا، ولهذا
كانت النعم تحتاج إلى شكر {لَئِن شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [(7) سورة إبراهيم]، والمراد بالكفر هنا هو كفر النعمة
وليس الكفر المخرج من الملة([10])، وهذه الآية كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ
كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [(28) سورة إبراهيم].
لقد تساهل الناس تساهلا شديدا،
والتبعة على المباشر لهذه المنكرات، وعلى من ولاه الله -جل وعلا- أمر أي مخالف،
ففي الحديث الصحيح: «كلكم
راع وكلكم مسئول عن رعيته»([11])، وبسبب هذه المخالفات عوقب كثير من
الناس بأنواع من العقوبات، ولا يشعرون أن المخالفات التي اقترفوها كانت السبب في
كل ما لحق بهم، وهناك قصص وأخبار واقعية تحكي الكثير من العقوبات على بعض المعاصي
والمخالفات، وليست مجرد تخرصات، والذي يخفى عليه شيء من ذلك يسأل القضاة أو رجال
الحسبة، وسيسمع العجب! سيسمع كيف أن بعضهم عوقب بالفضيحة المدوية! لأن الله -جل
وعلا- يغار([12])، وكل ذنب له عقوبة، فلا يتصور
الإنسان أن الله -جل وعلا- ظلمه حينما قُبض على بنته أو على أخته أو على زوجته مع
شخص أجنبي، لأن هذا بما كسبت يداه، فتساهله وتفريطه كان السبب، فعلى الإنسان أن
يحتاط لنفسه ولأهله، ولا يترك موليته التي ولاه الله أمرها فريسة لوحوش البشر،
مهما قالوا من كلام لين معسول.
ثم ازداد الأمر سوءًا بعد ظهور
التصوير، والذي أحدث كوارث فضيعة في كثير من البيوت، وزاد الطين بلة تقنيات تركيب
الصور، إذ يأتي من لا دين له فيركب صورة امرأة على صورة مسيئة ويهدد صاحبة الصورة بفضحها!
ويُخيِّرُها بين تمكينه من نفسها أو إرساله الصور المركبة
إلى والدها أو زوجها، وكيف يهنأ الإنسان بعيشه بعد هذا التساهل الذي جعله يرى صورة
بنته أو زوجته ومعها شخص، وهم عراة؟ وإن كانت الحقيقة منافية لما في الصورة التي لفَّقها
فاجرٌ لابتزاز المرأة والضغط عليها لتمكينه من نفسها، والمرأة ضعيفة
بطبعها، فقد تستجيب، وهذا لا يجوز مهما بلغت الضغوط، ومهما ترتب عليه من أثار ولو
كان الطلاق، لأن هذا يزيد الأمر سوءا، فبعد أن كان مظنوناً صار حقيقة واقعة، وهي
إذا صدقت في كلامها، وصدقت مع ربها -جل وعلا- برأها الله كما برأ عائشة ▲([13]).
____________________
* من شرح الشيخ لعمدة الأحكام
[1])) ينظر: ؟؟؟
[2])) سبق تخريجه ؟؟؟
[3])) ينظر: ؟؟؟
[4])) وهم الجمهور خلافا لرواية عن أحمد. ينظر: المغني (1/430).
[5])) وهو أبو حنيفة خلافا للجمهور. ينظر: الدر المختار مع حاشية ابن
عابدين (1/405)، المغني (1/430).
[6])) ينظر: فتح الباري لابن رجب (2/348).
[7])) منها قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن
ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا
لبعولتهن...)، وقوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين
يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما )،
وينظر: البخاري (4758)، أضواء البيان (36/124).
[8])) آية النور سبقت في الحاشية السابقة وآية الأحزاب هي قوله تعالى:
(لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء
أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا (55).
[9])) اختلف أهل العلم فيما يجوز
للمرأة أن تبديه أمام المرأة، وجمهور أهل العلم على أنه ما بين السرة والركبة،
وهذا هو مذهب الشافعي في عورة المرأة مع محارمها، وذهب الحنفية والمالكية
والحنابلة إلى أن العورة مع محارمها هو ما لا يبدو حال المهنة غالبا. ينظر: مجمع
الأنهر (2/539)، منح الجليل (1/222)، المنهاج القويم (ص:32)، مطالب أولي النهى
(5/12).
[10])) وقيل: كفر التوحيد. ينظر: تفسير البغوي (4/337)، زاد المسير
(2/505).
[11])) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (893)،
ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (1829)، وأبو داود (2928)، والترمذي
(1705) من حديث ابن عمر ؓ.
[12])) إشارة إلى حديث أبي هريرة ؓ، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله
يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله». أخرجه البخاري، كتاب النكاح،
باب الغيرة (5223)، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش
(2761)، والترمذي (1168).
[13])) أنزل الله تعالى في تبرئة عائشة قوله سبحانه: (إن الذين جاؤوا
بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من
الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11). وينظر: صحيح البخاري (2661)، ومسلم
(2770).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات