أحكام تحية المسجد
عن أبي قتادةَ بن رِبْعِيٍّ الأنصاري ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخَلَ أحدُكمُ المسجِدَ فلا
يجلسْ حتَّى يُصلِّيَ رَكعتَين»([1]).
الشرح
في هذا الحديث جملة فوئد منها:
الفائدة الأولى:
في هذا الحديث نهي داخل المسجد عن الجلوس حتى يصلي
ركعتين، والجمهور ومعهم ابنُ حَزْمٍ على القولُ بالاستِحبابِ، ونُقِل عن الظَّاهريةِ
القولُ بالوُجُوب، وحكى النوويُّ الإجماعَ على الاستحبابِ على قاعدتِه في عدمِ
الاعتدادِ بخلاف الظَّاهرية، لكن للحديث
صوارفُ، منها حديث أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا
هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ
اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا،
وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا،
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «أَلاَ
أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ
فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا
الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»([2])،
ولم يُؤثَر أنَّ اللذَين جلسَا صلَّيَا
تحيَّة المسجِد، ولم يأمُرْهما النبيُّ ﷺ بالصَّلاة.
الفائدة الثانية:
«أحد» مفرد مضاف يعم جميع الداخلين، فيدخل من لم يقصد بدخوله
الجلوس([3])، وكذا من
تكرر دخوله ولو عن قرب لتجدد السبب([4]).
ويستثنى من هذا حالات منها خطيب الجمعة إذ المستحب أن لا يحضُر
للجُمعة إلا بعد دُخول الوقت بحيثُ يَشرَع فيها أوَّلَ وصُوله المنبر؛ لأنَّ هذا
هو المنقولُ عن رسول الله ﷺ وإذا وصَل المنبر
صَعَده ولا يُصلِّي تحيَّةَ المسجد([5])، ويستثنى
أيضاً داخل المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف.
واستثنى الحنابلة أيضا قبل صلاة العيد بأن الثابت عن النبيّ ♥ أنَّه: «صَلَّى العيدَ ركعَتين، لَمْ
يُصَلِّ قبلَها ولا بعدَها»([6])
لكن هذا الترك إنما هو لكون النبي r صلى العيد في الصحراء، أما لو صلوا العيد في
المسجد فيسن صلاة تحية المسجد لعموم هذا الحديث.
الفائدة الثالثة:
القصد من تشريع تحية المسجد هو تشريف البقعة وإكرامها، ولهذا
فإن تحية المسجد تتأدى بالفرض، فمن دخل وصلى الفرض مباشرة سقط عنه طلب تحية المسجد([7])، ونازع في
هذا بعض المالكية واستشكلوا قيام عبادة واحدة مقام عبادتين، وأجيب بالتعليل السابق
لتشريعها([8]).
وهل يحوز مصلي الفرض ثواب تحية المسجد إضافة إلى أجر الفرض؟
خلاف، فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يجوز الأجر إلا إذا نواها أو لاحظها عند
فعل غيرها([9])، والمذهب
الحصول لأن القصد إشغال البقعة بصلاة وقد حصل([10])، نعم لا يكون
الفضل والأجر مساويا لمن نوى ومن باب أولى لمن صلاة تحية المسجد ثم الفرض أو
النافلة، وإذا كانت تتأدى بالفرض فمن باب أولى السنة كما نص على هذا المالكية
والشافعية والحنابلة وغيرهم([11]).
الفائدة الرابعة:
لا تحصل تحية المسجد بأقل من ركعتين كما نص على هذا الشافعية
والحنابلة، فلا تحصل بركعة الوتر ولا بصلاة الجنازة ولا بسجدتي التلاوة أو الشكر
خلافا لبعض علماء المذهب([12])، ولِما
استظهره بعض متأخري المالكية من مذهبهم، واستظهر آخرون منهم استثناء صلاة الجنازة
إذ المستحب أن تصلى في الجبانة([13])، والصواب ما
دل عليه هذا الحديث، وإذا كانت تحصل بركعتين فمن باب أولى حصولها بما يزيد على ذلك
كثلاث الوتر، وأربع الضحى([14]).
الفائدة الخامسة:
تفوت تحية المسجد بالجلوس العمد، فإن جلس ناسيا أو جاهلاً لم
تفت إذا ذكر عن قرب، وإلا فاتت، كما تفوت بالوقوف والتردد الطويلين، فإن جلس لعذر
كمن دخل عطشانا فجلس لشرب الماء لم تفت؛ لأن جلوسه كان لعذر، ومثل ذلك من كان بيدِه عملٌ يَسيرٌ يستلزِمُ الجُلوس لإصلاحِه، كالذين يُركِّبُون
آلاتِ تسجيلِ الدروس، والنَّدوات ونحو ذلك، كما لا يضر المحدث التأخر والجلوس فيما
لو دخل المسجد وتطهر داخله، وذكر بعضُ الفُقَهاء أنَّ مَن دخَل المسجِد وكان على
غيرِ وُضُوء أو دخَل في أوقات النَّهيِ عند مَن يمنعُ تحيَّةَ المسجِد فيها أن يقُول
أربعَ مرَّاتٍ: «سبحانَ الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، وزاد
بعضهم: «ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم»، وقالوا: إنَّ فضل هذا الذكر
يعدِلُ ركعتين([15])
لكن قال الهيتمي في الفتاوى الكبرى: «إنَّ ذلك لا أصلَ له، فلا يقُومُ مقامَ السَّجْدة
بل يُكرهُ له ذلك إنْ قصَد القِراءة، ولا يُتمسَّكُ بما في الإحياء، أمَّا أوَّلا
فلأنَّه لم يرِدْ فيه شيءٌ، وإنَّما قال الغزاليُّ: «إنَّه يُقال: إنَّ ذلك يعدِلُ
ركعَتين في الفَضْل، وقال غيرُه: إنَّ ذلك رُوِي عن بعضِ السَّلفِ، ومثلُ هذا لا حُجَّة
فيه بِفرْضِ صِحَّتِه فكيفَ مَع عدمِ صِحَّتِه»([16]).
ويجوز أن يبدأ المصلي التحية قائما ثم يجلس ويتمها؛ لأن
المحذور هو الجلوس في غير الصلاة.
ولا تفوت أيضاً على ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يدخلون جلوسا
على كراسيهم أو زحفاً، واستظهر بعض المتأخرين أنها تفوت بالاضطجاع لأنها رتبة أدنى
من الجلوس، وهذا قد يقع في بعض ذوي الاحتياجات الخاصة لا في غالبهم، إذا الغالب
أنه يدخل على كرسية جالساً وإن كان زاحفاً يبقى على هيئة الجالس، ولذا فالأولى
الفوات بطول الجلوس عرفاً، قلت هذا تفقهاً ثم رأيت في حواشي الشرواني نقله عن
الإمداد([17]).
الفائدة السادسة:
يدخل
في عموم هذا الحديث الصلاة في الأقات المكروة، وهي بعد صلاتي الصبح والعصر، وعند طلوع
الشمس وغروبها وزوالها، وهذا على هذا مذهب الشافعي([18])،
وذهب الجمهور إلى المنع؛ لأن الحاضر مقدم على المبيح([19])،
وتوسط بعضهم فأجازها في في وقتي الكراهة الموسعين، وهما بعد صلاتي الصبح والعصر، ومنعها
في بقية الأوقات، وروي نحو هذا عن أبي حنيفة([20])،
وتوقف فيها آخرون([21]).
([1])
أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (444)،
ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقِصَرها، باب استحباب تحية المسجد (714)، وأبو داود
(467)، والترمذي (316)، والنسائي (730)، وابن ماجه (1012).
([2])
أخرجه البخاريُّ، كتاب العلم، باب من قعَد حيثُ ينتَهِي به المجلِسُ (66)، ومسلم،
كتاب السلام، باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها (2176)، والترمذي (2724).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات