سترة المصلي
عن أبي سعيد الخدري ◙ قال: سمعت النبيّ ﷺ
يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من النَّاس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه
فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان»([1]).
الشرح
اشتمل هذا الحديث على جملة فوائد منها:
الفائدة الأولى:
تعليق دفع المار بين يد المصلي بما إذا صلى إلى سترة يدل على
استحبابها، كما دل على السنية أيضا حديث ابن عباس الآتي حيث صلى النبي r
بالناس إلى غير جدار، وجاء
أنه ﷺ «كان يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، ليس بينهم سترة»([2])، وبهذا قال
جمهور أهل العلم، بل قال في المغني: «ولا نعلم في استحباب ذلك خلافا»([3])، وذهب
الشوكاني إلى الوجوب، وهو ظاهر كلام ابن حزم([4]).
الفائدة الثانية:
يسن أن تكون السترة بطول ثلثي ذراع، هذا هو المذهب، واستحب
الحنفية والمالكية أن تكون بطول ذراع فصاعدا، وقال الحنابلة: قدر ذراع فأقل، أما
غلظها فاشترط الحنفية ألا تقل عن غلظ الأصبع، وقال المالكية: يكون غلظها غلظ رمح
على الأقل، فلا يكفي أدق منه([5]).
والجمهور على أنه يسن أن يقرب المصلي من السترة فلا يزيد ما
بينها وبين قدميه على ثلاثة أذرع([6]) لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعا: «إذا صلى أحدكم
إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»([7]).
الفائدة الثالثة:
لا يشترط أن تكون السترة رمحاً أو شيئاً يغرز في الإرض أو نحو
ذلك، بل يتحقق بمؤخرة الرحل، والجدار، وكل مرتفع.
الفائدة الرابعة:
من لم يجد سترة استحب له أن يخط خطاً لحديث: «فإن لم يجد فليخط خطاً»([8])، وهذا الحديث مثل به ابن الصلاح للمضطرب([9])،
فقد روي على نحو عشرة أوجه مختلفة، ونفى ابن حجر ؒ عنه الاضطراب، وقال في البلوغ:
«ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حديث حسن»([10])، ونقل ابن عبد
البر وعبد الحق تصحيحه عن أحمد وابن المديني، وضعفه ابن عيينة والشافعي والبغوي،
والنووي([11])، ويقوم اليوم
مقام الخط أو هو هثله الخطوط المنسوجة على فرش المسجد أو على بلاطها، بل لو اعتبر
المصلي طرف السجادة سترة له إذا لم يجد سترة جاز له وأتى بأصل السنة.
الفائدة الرايعة:
فائدة السترة كف بصر وتركيز المصلي عن أن ينشغل بما وراء
السترة، ولتكون علامة عليه بحيث يمتنع المار من المرور بين يديه.
الفائدة الخامسة:
يسن للمصلي دفع من يمر بينه وبين سترته، وعلل الحديث ذلك بكون
المار شيطاناً أي تصرفه تصرف شيطان لا أنه شيطان حقيقة، وبعض الناس يقرأ هذا
الحديث فيظن أن المار شطان حقيقة، ورأيت أحدهم قطع صلاته بعد أن مر أحدهم بين يديه
وإذا بالمصلي يلحق المار ويكلمه بغضب، وينظر إليه وجهه وبدنه، وكأنه يرى شيطاناً،
ولا يدري أن المقصود أن مرور المار بين دي المصلي فيه تشويش عليه، وأن هذا يشبه
عمل الشيطان حيث يحرص على تشويش صلاة المسلم وله طرق كثيرة ومتنوعة في سبيل ذلك.
([1])
أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مر بين يديه (509)، ومسلم، كتاب
الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي (505)، وأبو داود (697).
([2])
أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في مكة (2016)، وأحمد (27241)، من حديث الحارث
بن ضبيرة ؓ، وصحَّحه ابن حبان (2364)، وأعلَّه الدارقطني والمنذري، وابن القطان،
وابن رجب وغيرهم. ينظر: العلل ومعرفة الرجال (3/456)، مختصر سنن أبي داود (2/434)،
بيان الوهم والإيهام (5/541)، فتح الباري لابن رجب (4/46).
([7])
أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب الدنو من السترة (695). والنسائي، كتاب
القبلة، باب الأمر بالدنو من السترة (5)، وصححه ابن حبان (2372)، والحاكم (922).



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات