أحكام سجود السهو في الصلاة من خلال حديث ذي اليدين
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «صلى
بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»، قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ولكن نسيت
أنا، قال: «فصلى بنا ركعتين ثمَّ سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها
كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه»، وخرجت السرعان من
أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي
القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم
قصرت الصلاة؟ قال: «لم أنسَ ولم تقصر» فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، «فتقدم
فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر، وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم كبر وسجد
مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثمَّ سلم»، فنبئت أن عمران بن
حصين قال: ثمَّ سلم»([1]).
الشرح
السهو هو
الغفلة من الشيء وذهاب القلب إلي غيره، وإضافة السجود إلى السهو من إضافة المسبب إلى سببه، فالمسبب هو السجود،
وسببه السهو في الصلاة، والمراد بإحدى صلاتي العشي العصر كما ورد في رواية أخرجها
مسلم([2])،
وذو اليدين اسمه الخرباق السلمي، سمى بذلك لطول في يديه، وكان ينزل بذي
خشب من ناحية المدينة([3]).
من
فوائد هذا الحديث ما يلي:
الفائدة
الأولى:
احتج
الحنفية بهذا الحديث على أن محل سجود السهو بعد السلام، وهذه مسألة وقع فيها خلاف
بين أهل العلماء، فذهب الحنفية إلى ما تقدم، وذهب الشافعية إلى أن محله قبل
السلام، وقال المالكية جمعاً بين لاأحاديث: إن كان عن نقص في الصلاة سجد قبل
السلام، وإن كان عن زيادة فيها سجد بعد السلام، وجمع الإمام أحمد بين الأحاديث
بطريقة أخرى فقال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه حديث فمحل السجود
فيه قبل السلام، وقال الشافعي في أحد أقواله
القديمة: يخير المصلي بين السجود قبل السلام وبعده، ورجحه البيهقي، ونقل الماوردي
وغيره الإجماع على الجواز وأن الخلاف إنما هو في الأفضل([4]).
الفائدة
الثانية:
مذهب
الشافعية والمالكية أن سجود السهو سنة مطلقاً، وقال الحنفية: واجب، وقال بعض المالكية:
كله سنة إلا إن كان سببه نقص ثلاث سنن من سنن الصلاة فيجب، وعن الحنابلة التفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها
سهوا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده([5]).
الفائدة
الثالثة:
النبي r
بشر ينسى كما ينسون، لكنه ينسى ليسن، وقد ورد بهذا المعنى حديث أخرجه مالك في
الموطأ بلاغاً([6])،
فهو حديث ضعيف، ولم يثبت مسندا بأي وجه من الوجوه، وهو أحد أحاديث أربعة في
الموطأ لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، لكن لا يعني هذا بطلان ما دل عليه هذه
الحديث لصحو معناه وإن لم يصح حديثاً([7])، وليس في هذا
حجة لمن يكثر السهو النسيان في الصلاة، لأن الله عز وجل أثنى على الخاشعين فقال:
(والذين هم في صلاتهم خاشعون)، وفي حديث عمار بن ياسر ؓ قال: سمعت رسول اللهﷺيقول: «إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها
ثمنها، سبعها سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»([8])، فالسهو من
المسلم نقص في صلاته، أما من النبي r فكمال إذ بسهوه يتحقق التشريع، و«السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عَلَيه لم تَحصُل فيه مَفْسَدَة،
بل تحصل منه فائدة، وهي بيان أحكام التأسي وتقرير الأحكام»([9]).
الفائدة
الرابعة:
في
الحديث مشروعية التشبيك، وهذه مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من كره
التشبيك مطلقا لحديث عمرو بن عجرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إذا
توضأ أحدكم ثم خرج عامدا إلي الصلاة فلا يشبكن بيده فإنه في صلاة»([10])، ومنهم
من ضعف الحديث، ولم يكره التشبيك واستدل على جوازه بالأصل، وبما في هذا الحديث،
وجمع الإسماعيلي وغيره بين الحديثين فكرهوا التشبيك لمن كان في صلاة أو قاصدا أو
منتظراً لها لحديث: «لا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»([11])، وبهذا
قال الحنفية والشافعية والحنابلة([12])،
ونقل عن مالك كراهته في الصلاة خاصة([13])،
والتشبيك في الصلاة مكروه بإجماع أهل العلم([14]).
الفائدة
الخامسة:
احتج
بهذا الحديث جمهور أهل العلم على أن الكلام السهو القليل لا يضر الصلاة؛ لأن ذي
اليدين سأل النبي r، وأجابه النبي r بل وسأل الصحابة وأجابوه([15])،
وقد اختلف في ضبط الكلام القليل غير المبطل على أقوال، فذهب بعض المتأخرين إلى أن
ضابطه العرف([16])،
وذهب بعض متأخري الشافعية إلى ضبطه بست كلمات، وزعموا أن هذا العدد هو مجموع كلام
النبي r والصحابة([17])،
وضبطه أيضا بعض متأخري المالكية بما وقع في هذا الحديث دون تحديد عدد([18])، وضبطه
بعض أهل العلم بمقدار صلاة، وقيل: بل ركعة([19])،
والأول هو الأقرب، أما الحنفية فأبطلوا الصلاة بالكلام مطلقاً، وزعموا أن ما في
هذا الحديث منسوخ([20])،
وإلى هذا القول ذهب الحنابلة أيضاً([21]).
الفائدة
الخامسة:
احتج
بهذا الحديث المالكية على أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النبي
- صلى الله عليه وسلم - من الاستفسار والسؤال عند الشك وأجابه المأمومون أن صلاتهم
تامة على مقتضى الحديث([22])،
واحتجوا به أيضاً على مشروعية
الكلام في الصلاة لإصلاحها، فلو أن الإمام التبس عليه أيركع أم يسجد فكرر المأمومون
تنبيهه فالتبس عليه جاز لأحدهم أن يقول له: اركع أو اسجد أو تشهد ونحو هذا،
والجمهور يبطلون الصلاة بالكلام العمد، وحملوا هذا الحديث على أن النبي r
تكلم وهو يظن انتهاءه من الصلاة، والصحابة تكلموا مجوزين النسخ([23]).
الفائدة
السادسة:
في هذا
لحديث دليل على جواز رجوع المصلي سواء كان إماما أم مأموما لقول أو فعل غيره ومن
ذلك ما لو شك المأموم هل أدرك ثلاثا أم أربعا فرأى من عن يمينه أو يساره يسلمون
فيسلم أو يزيدون ركعة فيزيد، والجمهور على أن العبرة بيقين أو ظن نفسه على خلاف
بينهم، وأنه لا يجوز له الرجوع إلى قول غيره أو فعله إلا إذا بلغوا حد التواتر، وأجابوا:
عن هذا الحديث بأن سؤاله، لهم ليتذكر لا
رجوعًا إلى قوله، فلما ذكروه ذكر السهو، فبنى عليه([24]).
وفي
الحديث فوائد أخرى منها: أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا
كانت بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها، وأن السلام سهوًا لا يبطلها، وجواز
البناء على الصلاة بعد السلام سهوًا، وجمهور العلماء عليه، وأن سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدد أسبابه([25]).
([1])
أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (482)، ومسلم،
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (573)، وأبو داود
(1008)، والنسائي (1224).
([10])أخرجه أبو
داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة، (562)، والترمذي،
أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة، (386)، وابن
ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يكره في الصلاة، (967)، وأحمد
(18103)، وصححه ابن خزيمة (441)، وابن حبان (2036)، وقال الحافظ في الفتح 1/ 566:
«في إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه».



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات