شرح حديث ابن مسعود في بيان أفضل الأعمال
عن أبي عمرو الشيباني -واسمه سعد بن
إياس- قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود -رضي الله
عنه- قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أحب إلى الله
-عز وجل-؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»
قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ولو استزدته لزادني([1]).
الشرح
المواقيت:
جمع ميقات، والميقات والوقت بمعنى واحد([2])، والمراد به: الوقت المحدد لأداء الصلاة المفروضة، بحيث لا
يجوز أن تقدم عليه، ولا أن تؤخر عنه، قال تعالى: {إِنَّ
الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}[(103) سورة النساء]
كتاباً أي: مكتوباً مفروضاً، وموقوتاً: أي مؤقتًا بزمن محدد([3]).
وعن
أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس الشيباني ، مخضرم أدرك الجاهلية، وعمر طويلاً
، فقيل إنه عاش مائة وعشرين عاماً، وحدث أبو عمرو عن علي وابن مسعود وحذيفة،
توفي سنة (95هـ)([4]).
وعبد الله بن
مسعودٍ وكنيته أبو عبد الرحمن، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد
بعدها، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صاحب نعليه، توفي سنة (32هـ)([5]).
روي
عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانُ مئةٍ وثمانيةٌ وأربعون حديثًا، اتفقا
منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين([6]).
في
هذا الحديث فوائد:
الفائدة
الأولى: أن الأعمال تتفاوت في الفضل فليست جميعها على مرتبة واحدة، كما هو حال
المنهيات، وفي هذا الحديث بيان أن أفضل الأعمال هي الصلاة على وقتها، وكونه من
أفضل الأعمال لا ينفي أن مخالفته مشروع، فأفعل التفضيل هنا لا مفهوم له، فهو ما في
قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ)، فأداء الصلاة خارج وقتها بلا عذر لا يجوز
بإجماع أهل العلم، سواء قدمها أم أخرها، بل إن إخراج الصلاة عن وقتها الضروري سبب
للعقوبة بالإعدام إما فسقا كما هو مذهب الشافعي أو ردة كما هو مذهب أحمد، والمقصود
بوقت الضرورة وقت العذر، كوقت العصر لصلاة الظهر ووقت العشاء لصلاة المغرب، فمن
أخر صلاة الظهر إلى العصر دون عذر أثم فإن ضاق وقت العصر بحيث لا يسع أداء صلاة
الظهر أو خرج وقتها استتيب ندبا عند الشافعية فإن تاب وإلا قُتل حداً، وكذلك يقال
في المغرب أما العصر والمعشاء والفجر فيعاقب بخروج أوقاتها([7])،
وفعل الصلاة قبل وقتها لا يجوز بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع ابن عبد البر وغيره([8]).
الفائدة
الثانية: ياتي في المرتبة الثانية في الفضل بحسب حديث الباب بر الوالدين، وهذا
يتفق مع قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، والوالدان
هما سبب وجود الولد، وأعظم الخلق منة عليه، ولهذا كان حقهما أعظم حقوق المخلوقين،
وأوجب الخالق سبحانه البر إليهما حتى وإن كانا كافرين كما حرم إيذاءهما ولو بكلمة
(أف)، ولهذا كان عقوقهما من أكبر الكبائر كما سيأتي في حديث أبي بكرة t.
الفائدة
الثالثة: يأتي في المرتبة الثالثة في الفضل في حديث الباب الجهاد في سبيل الله،
وهذات يعني أن بر الوالدين مقدم على الجهاد لكن هذا في حال الجهاد الكفائي وهو
جهاد الطلب أما في حال تعين الجهاد عليه كما في جهاد الفع أو عند التحام الصفين فلا
يجوز طاعة الوالدين في تركه([9]).
الفائدة
الرابعة: في قول الصحابي: (ولو استزدته) أي النبي r
(لزادني) رفق بالنبي r من الإكثار في السؤال،
ولهذا كان الصحابة قليلي السؤال للنبي r وكانوا يفرحون أن يأتي
الرجل من البادية يسأل النبي r وهم يسمعون، ويأخذ طالب
العلم من هذا الأدب أنه ينبغي أن يرفق بمعلمه فلا يكثر عليه السؤال حتى يُضجره كما
يفعل بعض طلاب العلم حيث يوقف معلمه لوقت طويل ويمنع المعلم من قضاء بعض حوائجه،
وإذا لم يجد تجواباً يسيرا لا يراجع نفسه ليعاتبها على إضجار شيخه وإنما قد يقل
أدبه على معلمه وقد يغتابه ويذمه، وكان ابن
عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ربما قال في منتصف النهار على باب بعض الأنصار؛
يطلب العلم([10]) مع أنه ﷺ ابن عم الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وكل شخص يتشرف
أن يطرق بابه مثلُ ابن عباس، ومع هذا كان من أدبه أنه لا يطرق باب من يريد سؤاله
العلم، وإنما ينتظره حتى يخرج فيسأله، فانظر إلى هذا الأدب الرفيع، من هذا الإمام
الحبر الوجيه ابن عم النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وكما
نننصح طالب العلم بما تقدم ننصح المعلم بأن يكون رفيقا بطلابه، ناصحا لهم قدر
استطاعته باذلا لهم ما يستطيع من وقته خاصة ونحن في زمن شح فيه العلم وقلت
العلماء، وكثر الجهل، وزاد الكبر، والعجب بالنفس والرأي وبالقليل من المعلومات
المشتتة والمتناثرة إضافة إلى شيوع الشبهات التي تكدح وسائل الإعلام بشتى
أصنافهيا: قديمها وجديدها في نشر كل ما كان فيه طعن في عقيدة الأمة وشرعها، فإذا
فتح الله على المعلم بطلاب أو قبول بين الناس فلا يرتفعن عنهم أو يتضايق من أسئلتهم
رغم ما يكتنف بعضها من الغرابة، وصح في السنة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم
من أقطار الأرضين يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا»([11])،
فطلاب العلم هم وصية النبي r، ونحن نلاحظ اليوم الزهد
في العلم الشرعي بحيث أضحى من يطلب العلم لله أندر من الكبريت الأحمر، ولهذا وصى
بهم النبي r.
فائدة:
وردت أحاديث
أخرى فيها ذكر أعمال أخرى هي أفضل الأعمال، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله».
قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»([12])، وحديث عائشة
رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:
«أدومها وإن قل»، وقال: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون»([13])، ولنا في هذا
توجيهان:
([1]) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها
(527)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (85)،
والنسائي (610).
([2]) الوقت والميقات بمعنى واحد إلا أن الميقات أخص من الوقت،
فالميقات ما قدر لعمل، والوقت قد يتقدر وقد لا يتقدر ثم اتُّسِع في الميقات فأطلق
على المكان أيضا، كمواقيت الحج. ينظر: الفروق اللغوية للعسكري (ص: 271)، النهاية
5/212، لسان العرب 2/107، حاشية الروض المربع (3/534).
([11]) أخرجه الترمذي، أبواب
العلم، باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم (2650)، وابن ماجه، أبواب السنة،
باب الوصاة بطلبة العلم (247)، وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي (298).
الحديث وعلومه



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات