-->
»نشرت فى : الاثنين، 14 سبتمبر 2020»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

وسطية منهج أهل السنة في الأسماء والصفات


 * معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير

منهج أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة وأئمتها؛ إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله -عليه الصلاة والسلام- على ما يليق بجلاله وعظمته، فمذهبهم وسط بين المعطلة؛ الذين ينفون الأسماء والصفات أو الصفات فقط أو بعض الصفات دون بعض، وبين المشبهة؛ الذين يشبهون الله بخلقه أو يشبهون المخلوق بالخالق، فقد وجد بعض المبتدعة الذين بالغوا في الإثبات، حتى وصفوا الله جل وعلا بأوصاف الخلق، بل لم ينزهوه عما يتصف به الخلق من الدنايا والرزايا والرذائل، وهذا لازم قول الاتحادية أهل وحدة الوجود- نسأل الله العافية-، والنصارى شبهوا المخلوق بالخالق، وكل هذه المذاهب مرفوضة بقول الله جل وعلا: {{ليس كمثله شيء}} (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى:11، هذا نفي للتمثيل والتشبيه، وقوله: {{وهو السميع البصير}} (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى:11  إثبات لما أثبته الله لنفسه جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته، وليس المراد من قوله: {{ليس كمثله شيء}} (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )   الشورى:11  نفي الصفات كما تذرع بذلك المبتدعة الذين زعموا أنهم ينزهون الله- جل وعلا- عن مشابهة الخلق فنفوا عنه الصفات؛ لأن لازم الإثبات عندهم أن يُشبَّه بخلقه- تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- ثم نقل عن أبي حنيفة في الفقه الأكبر قوله: «لا يشبه شيئًا من خلقه» خلافًا لمن أثبت التشبيه ونُسب ذلك إلى مقاتل بن سليمان في تفسيره([1])، والمشبهة أقل بكثير من المعطلة، ولا يشبهه شيء من خلقه خلافاً لما تقوله النصارى و بعض الغلاة من هذه الأمة الذين جعلوا النبي -عليه الصلاة والسلام- مشابهًا لله- جل وعلا- في بعض خصائصه، وصرفوا له أنواعًا من العبادات التي لا تجوز إلا لله- جل وعلا-،

قال الإمام أبو حنيفة: «وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين»؛ وهذا الذي يجب اعتقاده {{ليس كمثله شيء}} (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى:11  فهو سبحانه يعلم لأنه أثبت العلم لنفسه لكن لا كعلمنا؛ إذ ليس كمثله شيء، ويقدر لا كقدرتنا؛ فالمخلوق له قدرة، وعلم أثبته الله جل وعلا له، لكن يليق به، ومهما بلغ من العلم، ومهما وُصف به من القوة،  هو وجميع الخلق فلن يخرجوا من قوله جل وعلا: {{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}} (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)   الإسراء:85  ووهو سبحانه يرى {{وهو السميع البصير}} (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى:11  لكن ليس كما يرى المخلوق، والتشبيه في قوله r:  «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»([2])، للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.

وقال نعيم بن حماد: «من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر»؛ لأنه مكذب لقوله جل وعلا: {{ليس كمثله شيء}} (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )  الشورى:11  «ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر»؛ لأنه منكر لقوله- جل وعلا- (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ولغيرها من آيات ونصوص الصفات، «وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه»، يعني نخرج من قضية التشبيه بقولنا: على ما يليق بجلاله وعظمته.

 «وقال إسحاق بن راهويه» الإمام المشهور: «من وصف اللهَ فشبه صفاتِه بصفات أحد من خلق الله، فهو كافر بالله العظيم»؛ لأنه مكذب للنصوص:{{ليس كمثله شيء}} (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى:11   «وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا من الكذب من أنهم مشبهة» يرمونهم بهذا الداء ويصفونهم بهذه الأوصاف الشنيعة: مشبهة، مجسمة، حشوية؛ للتنفير من مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله -عليه الصلاة والسلام- على ما يليق بجلاله وعظمته، «بل هم المعطلة»؛ لأنهم يجحدون الصفات ومعانيها، وإثبات أهل السنة إثبات بلا تمثيل، على ما يليق به سبحانه، وفي الحديث «إن الله خلق آدم على صُورته»([3])، وفي لفظ «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن»([4]) فالصورة الإجمالية التي فيها السمع والبصر، لا التفصيل والمماثلة، ثابتة له بالنصوص، والتشابه في أصل المعنى لا في كنهه وحقيقته؛ فالله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فالتشبيه لا يعني المطابقة من كل وجه، وهو من هذه الحيثية يخالف التمثيل؛ لأن التمثيل المطابقة من كل وجه؛ ولهذا نُفي في القرآن ولم ينف التشبيه.

فالتشبيه في حديث الصورة إجمالي، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام- «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»([5])، والمراد في النور والبهاء.

_______________

* النص مأخوذ من شرح الشيخ عبد الكريم الخضير على متن الطحاوية



[1])) يُنظر: مقالات الإسلاميين (ص: 152)، الغنية لطالبي طريق الحق 1/190، تلبيس الجهمية 2/580

[2])) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، (554)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، (633)، وأبو داود (4729)، والترمذي (2551)، وابن ماجه (177) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

[3])) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (6227)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (2841)، وأحمد (8171)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4])) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (498، 1076)، وابن أبي عاصم (517)، والدارقطني في الصفات (48)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (185)، والبيهقي في الأسماء والصفات (640) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ونقل ابن حجر في الفتح 5/183 تصحيحه عن إسحاق بن راهويه وأحمد.

[5])) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (3245، 3246)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم (2834)، والترمذي (2537)، وابن ماجه (4333) من حديث أبي هُريرة  رضي الله عنه .

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015