أيهما أفضل تكثير عدد الركعات مع تخفيفها أم إطالة القيام مع تقليلها؟
* الشيخ عبد الكريم الخضير
اختلف العلماء في الأفضل في صلاة النوافل: أهوُ تكثيرُ عددِ الرَّكْعات مع التخفِيف أو تقليلُ عدد
الركعاتِ مع التَّطويلِ؟ ولكل من الصُّورتين أَدِلَّتُه، فحديث ـ«أَعِنِّي على نفسك بِكَثرةِ السُّجُودِ»
يدلُّ على أنَّ الكثرةَ مطلُوبة، وهدي النبيُّ ♥ إطالةُ القِيام([1])،
ومن وافَقَ صلاةَ النبيِّ ﷺ كيفيَّةً وكَمِّيَّةً فهُو أولى؛ لأنَّ الله لا يختارُ
لنبيِّه إلَّا الأفضلَ، فمَن صلَّى بِإحدى عشرة أو ثلاثةَ عشرة، معَ طُولِ
القراءة، وطولِ الرُّكوعِ والسُّجود، واستغرقَ مِن الوقتِ ما يَستغرِقُه من كثَّر
الركعات، فهذا أكملُ.
وقد حُدَّ القيام في الجملة بالوقت، فقال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا
قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}
[(2-4) سورة المزمل] فدل على أنَّ الإنسان لو اقتدَى بالنبيِّ ♥ في الكميَّة
والكيفيَّة فهو فعل الأكمل.
وينبغِي أنْ يُراعِيَ كلُّ مصلٍّ ما هُو الأنفعُ
لقلبِه، والأحضرُ لخشوعِه، فمن
كان التقصير أنفَعَ له، وإذا أطال سرَح ذهنُه، وما عقَل من صلاتِه شيئًا فيُقصِّر؛
لأنَّه ورد عن بعضِ الصَّحابة أنَّهم كانوا يُوجِزُون
في النَّافِلة؛ يُبادِرون بها الوَسْواسَ([2])، أي
يقَصِّرُها؛ لأنَّه إنْ أطالَ دخلَ الشَّيطان، وصار له مجالٌ، وهذا بالنِّسبة لبعضِ
النَّاسِ أو خاصٌّ ببعضِ الأحوالِ التي يكونُ الذِّهن
فيها مشغولًا بشيءٍ، وإلَّا فبعضُ النَّاس كلمَّا أطالَ تَلذَّذَ بالمناجاةِ،
فالذي يتعامل مع الله -جلَّ وعلا- في هذه العبادة هو القلبُ، فربَّما وجدتَّ من
طلبة العِلم من هو في العِشرين أو الثَّلاثين من عُمره، وعنده رغبةٌ في الخير لكن
الصلاة يَسْتَثْقِلُها، ولديه استعدادُ الوقوف عند
باب المسجد ليُكلِّم صاحبه إلى الصُّبح،
وأدركنا شخصًا جاز المائة من عُمره، ويصلِّي خلفَ إمامٍ يقرأُ خمسة أجزاء في تهجُّدِه،
وصوتُه وسطٌ، وفي ليلةٍ من اللَّيالي، وفي آخر ركعة
سمع هذا الإمام صوتَ مؤذِّنٍ، -وجرت العادةُ أنَّ المؤذِّنَ يُؤذِّنُ إذا انتهت
الصَّلاة- فظن أنَّه تأخَّر على الجَماعة، فخفَّفَ الركْعةَ الأخيرة، فلما سلَّم،
واجهه هذا الشيخُ الُمومأُ إليه، وقال: يا فُلان! لما جاء وقتُ اللُّزومِ تُخَفِّفُ
الصَّلاة؟!
ولا
ريب أنَّ مثلَ هذا الرجل تعرَّف إلى الله في وقتِ الرَّخَاء، والصِّحَّة، والشَّباب، فعرفَه اللهُ في وقتِ الشِّدَّة،
والضَّعف، والكِبَرِ، فأعانَه، وأمدَّه بقُوَّةٍ، وحُبٍّ لعملِ الخَير، والإعانة
على الخير والمداومة عليه ليستْ مسألةً سهلةً.
والصحابة ╚ كان يُؤتى بالواحدِ منهم يُهادَى بين الرَّجُلين([3])،
ونحنُ نتقلَّب في نِعَمِ الله، وإذا دخلْنا في الصَّلاةِ يُبادِرُ البعضُ السَّاعاتِ
المعلقةَ بالجُدُرِ؛ يحسبون الوقتَ على مَضَضٍ، ولو قدِرُوا على تقديمِ الوقتِ ليَغْتَرَّ
به المؤذِّنُ والإمامُ لفعَلوا! والأمَّةُ فيها خيرٌ، ولكن الغالبَ نُدْرَةُ من يَتَلَذَّذُ
بالمناجاةِ في هذه العبادة؛ لأنَّهم ابْتُلوا بأمورٍ غَطَّتْ على قُلوبِهم، توسَّعُوا
في الدُّنيا، والتَّوَسُّعُ في الدنيا مُضِرٌّ بالآخِرة، ومُؤثِّرٌ على صلاحِ القُلوب.
([1]) من الأحاديث الدالة على
هذا ما رواه جابر ◙ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أفضلُ
الصَّلاة طولُ القُنوتِ». أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أفضل
الصلاة طول القنوت (756)، والترمذي (387)، وابن ماجه (1421).
([2])
أخرج أحمد (18879)، وصحَّحه ابنُ حبان (1889) «أنَّ عمَّار بنَ ياسِرٍ صلَّى
ركعتين فخفَّفَهما، فقال له عبدُ الرحمن بن الحارث: يا أبا اليَقظان أراكَ قد خفَّفْتَهما؟
قال: إنِّي بادرتُ الوَسْواسَ، وإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقُول: «إنَّ الرجل ليصلِّي الصلاَة ولعلَّه
لا يكون له منها إلا عُشرُها أو تُسعُها أو ثُمْنُها أو سُبْعُها أو سُدْسُها حتَّى
أتى على العدَدِ».
وأخرج ابنُ أبي شيبة في
مصنَّفه (4699) عن أبي رَجاء، قال: «رأيتُ الزُّبير بن العَوَّام صلَّى صلاةً خفِيفةً،
فقلتُ: أنتُم أصحابُ رسولُ الله ﷺ أخفُّ النَّاسِ صلاةً، قال: إنَّا نُبادِرُ هذا الوسْواسَ»،
وأخرج عبد الرزَّاق في مصنفه (2727) نحوه عن طلحةَ ◙.
([3]) إشارةً إلى حديث عبدالله بن
مسعود ◙ أنَّه قال: «مَن سرَّه أن يَلقَى الله غدًا مسلِما فلْيحافِظْ على هؤلاء
الصَّلواتِ حيثُ يُنادى بهنَّ فإنَّ الله شرَع لنبيِّكم ﷺ سُننَ الهُدى وإنَّهن من
سُنن الهُدى ولو أنَّكم صلَّيتُم في بيوتِكم كما يُصلِّي هذا المتخلِّفُ في بيتِه
لتركتُم سنَّةَ نبيِّكم، ولو تركتمُ سنَّةَ نبيِّكم لضَلَلْتُم، وما مِن رجلٍ يتطهَّر
فيُحسِنَ الطَّهورَ ثمَّ يعمِدَ إلى مسجِدٍ من هذه المساجِدِ إلا كتبَ الله له بكُلِّ
خَطوةٍ يخطُوها حسَنةً ويرفعُهُ بها درَجةً ويحُطُّ عنه بها سَيِّئةً، ولقدْ رأيتُنا
وما يَتخَلَّفُ عنها إلا منافِقٌ معلومُ النِّفاقِ، ولقد كانَ الرَّجُلُ يُؤتَى به
يُهادَى بينَ الرَّجُلين حتَّى يُقامَ في الصَّفِّ». أخرجه مسلم، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى (654)، وأبو داود (550)، والنسائي
(849)، وابن ماجه (777).
الفقه



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات