-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 30 يونيو 2020»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مفهوم تحول المصارف إلتقليدية إلى مصارف إسلامية


يعني التحول في اللغة التنقل من موضع إلى موضع أو من حال إلى حال، والاسم الحول؛ ومنه قوله تعالى: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) أي انتقالا([1]).

ونعني بتحول البنك التقليدي هو انتقاله من حالته التقليدية وهو التعامل بالفائدة الربوية إلى الحالة المشروعة التي يقرها الإسلام، وقد حاول بعض الباحثين إيجاد تعريف اصطلاحي لظاهرة التحول هذه فعرفها أحدهم "بأنها الفروع التي تنتمي إلى بنوك تقليدية تمارس جميع الأنشطة المصرفية طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية"([2])، وهذا التعريف يجعل التحول انتقال بعض فروع البنك التقليدي من التعامل الربوي إلى التعامل الشرعي، وهذا لا يتوافق مع مدلول التحول الذي يعني كماله لا جزءه؛ لأن التحول إذا قيد لم يكن تحولا، فعندما يقال: تحولت بعض الفروع، يبقى هذا التجول مقيداً، ولهذا فقد استبعد المعيار السادس الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة (AAIOFI) استعبد التحول الجزئي أو تحول من الوصف بالمصرف الإسلامي حيث نصت الفقرة الثانية من البند الثاني على أنه "إذا لم يقرر البنك التحول الكلي الفوري طبقا للبند 1/2، وإنما قرار التحول مرحلياً فإنه يعتبر بنكاً متحولاً، ولا يدرج بين المصارف الإسلامية إلا بعد إتمام التحول".

وعرف بعض الباحثين التحول" :بأن توجد لدى البنك التقليدى رغبة صادقة فى التوبة إلى الله من خلال إيقاف التعاملات المصرفية التى  بها مخالفات شرعية وإبدالها بالتعاملات المصرفية المطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية"([3])، وهذا تعريف مبسوط لتعريف وجيز ذكره بعضهم وهو: "الانتقال من وضع فاسد شرعاً إلى وضع صالح شرعاً"([4])، وهذا يعني أن المنظور إليه في تحول البنك هو منظور ديني شرعي، وهذا يفضي إلى كون الوضع الجديد أفضل حالا من الوضع الأول، وهو كذلك بلا ريب من حيث الجانب الشرعي أما الجانب الربحي فيخضع لاعتبارات أخرى.

وعرف التحول المصرفي أيضاً بأنه: "استبدال أو تغيير المعاملات الاقتصادية التي تخالف أحكام الشريعة الإسلامية بما يوافقها من جهة، وابتكار المعاملات الاقتصادية التي تحقق أهداف الاقتصاد الإسلامي من جهة أخرى"([5])، هذا التعريف يحتوي على نقاط قوة ونقاط ضعف، فقوته تكمن في إشارته إلى الاستبدال أو التغيير، وهذا هو معنى التحول لتخرج صورة الإنشاء، كما أن إشارته لابتكار المعاملات الإسلامية مهم جدا في هذا السياق خاصة وأن المصرفية الإسلامية مصرفية ناشئة، والمطلوب منها أن تنافس المصرفية التقليدية التي تجذرت واكتسبت خبرات وأسواقاً على مدى قرون، وتنوعت لديها الأدوات الائتمانية التي تمكنها من جذب الأموال وإعادة إنتاجها بالصورة التقليدية المعروفة لكن مع هذا نجد عند التأمل أن ابتكار منتجات مالية جديدة ليس شرطاً لسلامة التحول، بمعنى أن ليس قيدا ضروريا في وصف المصرف بكونه بنكا متجولا، وإنما هو شرط للمنافسة والقدرة على جذب الأموال وتثميرها، فلو افترضنا أن البنك تحول من المصرفية التقليدية إلى المصرفية الإسلامية وبقي على التعاملات التقليدية المعروفة دون أي تطوير فهذا بحد ذاته تحول لكن المصرف بهذه الصورة بعجز عن الاستمرار والمنافسة.

أما جهة الضعف في هذا التعريف فهو إدخاله مصطلح الاقتصاد إذ إن العلاقة بين المصرفية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي هي علاقة عموم وخصوص، وكل وجزء، فالمصرفية هي جزء من الاقتصاد الإسلامي لا مرادفة له، ولهذا من الأفضل أن تحل عبارة: "استبدال أو تغيير المعاملات الاقتصادية" بعبارة: "استبدال أو تغيير المعاملات المصرفية".

ونقطة أخرى، وهي اشتراط كون التحول محققا لأهداف الاقتصاد الإسلامي، وهذا وإن كان طموحاً نعده تاليا لمرحلة الخروج من الحرمة إلى الحل، وهو طموح ينبغي أن يكون استراتيجية تعمل عليه المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية بشتى أنواعها إلا أن هذا الطموح ليس شرطا في عد البنك متحولا، ولو شرطناه لصعّب جدا من فكرة التحول في الوقت الراهن على الأقل ولأسباب كثيرة، ولهذا فإن المنظور إليه في التحول هو الخروج من دائرة الحرمة إلى دائرة الحل أما الزيادة على ذلك بتحقيق المقاصد الشرعية المتعلقة بالاقتصاد الإسلامي فهو وإن تحقق جزء منه في هذا التحول إلا أن الفكرة لا تفي بهذا الشرط حالياً.

وعليه يمكن تعريف مفهوم التحول بأنه: انتقال المصرف التقليدي انتقالا كليا من التعامل المحظور شرعا إلى التعامل الموافق لأحكام الشريعة الإسلامية بحيث يتم إحلال العمل المصرفي المطابق لأحكام الشريعة الإسلامية محل العمل المصرفي المخالف لها حتى تصبح جميع أعمال المصرف وأنشطته خاضعة لقواعد وأسس الشريعة الإسلامية([6]).

وبما تقدم ندرك أن عملية التحول ليست ترفا أو كلمة تقال هنا أو هناك أو لوحة يمكن أن تستعمل لمجرد الاستهلاك وجذب المال مع الخلو من المضمون، إن التحول يعني التوبة عما سبق من تعاملات محرمة  وعلى رأسها الربا، وتعني قطع العهد مع الله وإشهاد المجتمع على ترك تلك المعاملات، والانتقال إلى الاستثمار بالطرق التي ترضي الخالق سبحانه ولا تتعارض وشريعته الغراء.

وهذا التحول يستتبع أمورا تشمل ما يلي:

أولا: التحول في موارد المصارف الخارجية فيتجنب الودائع والقروض الربوية بأشكالها كافة.

ثانيا: التحول في الخدمات المصرفية، ونخص بها الخدمات المصرفية التي تؤول عقودها إلى تسهيلات ائتمانية أو قرض كالاعتماد المستندي وخطاب الضمان.

ثالثا: التحول في التعامل مع المصارف الأخرى، فعوضا عن التعامل السابق المبني على التعاقد الربوي يلزم المصرف الإسلامي أن يوجد بدائل مشروعة لا يتحمل فيها وزر الفائدة الربوية.

رابعا: التحول في أساليب الاستثمار، وبدلا من أن تكون العلاقة بين المصرف وعملائة علاقة دائن ومدين تصبح ثمة علاقات أخرى تخضع لقواعد وضوابط المعاملات المالية الإسلامية كالبيع والشراء بأنواعه، والإجارة بأنواعها، والشراكة والمضاربة.. إلخ.

 بقي أن نشير إلى أن صيغة (تفعّل) تدل على إدخال المرء نفسه في شيء حتى يكون من أهله ولكن بتكلف كما تدل هذه المفردة على التدريج والتكثر والمبالغة، وهذا يعني أن التحول لا بد أن يكون نابعا من إرادة المحول واختياره وليس قسريا من الغير، وبهذا فرق بعض الباحثين بين هذه الصيغة (تفعل) وصيغة (تفعيل) أي تحويل، التي تعني أن يكون التحول بإرادة خارجة عن المتحول، وعليه فلا يلزم أن يكون الوضع المتحول إليه في هذه الصورة أفضل حالا من الحالة المتحول عنها، وهذان المعنيان يظهران في نمطا تحول البنوك من الوضع التقليدي إلى الوضع الإسلامي كما سيأتي بيانه لاحقاً كما أن التحول يختلف من مصرف إلى آخر تبعاً لاختلاف الدوافع الكامنة وراءه.

 



[1] ينظر: لسان العرب 11/189.

[2] شحاتة، حسين حسين، الضوابط الشرعية لفروع المعاملات الإسلامية بالبنوك التقليدية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، بنك دبي الإسلامي، ع 240، 1422هـ (ص:33) نقلا عن تقييم ظاهرة تحول البنوك التقليدية في السعودية، بحث غير منشور، وقد نقل هذا التعريف على أنه تعريف لظاهرة التحول.

[3] ينظر: السابق.

[4] سعود محمد الربيعة، تحول المصرف الربوي إلى مصر إسلامي ومقتضياته 1/15.

[5] هاشم عمر، البناء الشرعي لعملية تحول المصارف التقليدية إلى المصارف الإسلامية (ص:171) نقلا عن غيره.

[6] ينظر: يزن العطيات، منير الحكيم، أثر التحول للمصرفية الإسلامية، ورقة مقدمة لمؤتمر الخدمات المالية الإسلامية الثاني (ص:3).

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015