-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

كذبوا عليك فقالوا..


كم هي الأكاذيب والتضليلات والتدليسات التي نراها ونسمع بها اليوم خاصة في ظل دخول أجندات ثقافية وافدة.. المشكلة ليست هنا، المشكلة في كون تلك الأكاذيب تنفخ في نفس مستمعيها الأنا المتعالمة التي تبتغي أن تكون شيئا مذكورا بأي سبيل ولو بالتمرد على المألوف وليكن المألوف أي شيء، حتى ولو كان قدحا في المسلمات وجلدا للذات، حتى وإن كان جهلا مركبا في صورة علم ناقد.. والحق أنه مجرد وهم وسراب يحسبه الضمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!
من تلك الأكاذيب والتي تكدح أطراف مشبوهة ومجهولة في الترويج له الزعم بأن صحيح البخاري هو تأليف لعالم في الحديث هذا إن اعترفوا له بذلك- وكونه عالما لا يعني أن كل ما يقوله صحيح ثم إن البخاري غير معصوم، وأن الأمة ما أصابها ما أصابها إلا يوم أن اعتمدت صحيح البخاري بكل ما فيه.. وزيادة في التمويه تقال هذه الشبهة بصيغ يغلب عليها التحذلق ليتوهم القارئ أن الكاتب فيلسوف ألمعي وناقد حاذق، والحق أنه مسكين، وما أسرع أن ينكشف أمره مع أول اختبار أو موقف في المجال الذي ينتقده وتفلسف فيه، فهو غالبا لا يستطيع تعريف الحديث الصحيح تعريفا منضبطا، وللتدليل على ذلك سل أحدهم أثناء نقاش مباشر.. وأؤكد: مباشر.. سله عن تعريف الحديث الصحيح كما عرّفه الأئمة أو سله عن الفرق الجوهري بين المرسل الخفي والتدليس، وغيرهما من قضايا علم المصطلح التي يدرسها المبتدئ..
على كل حال هذه الشبهة يمكن دحضها بسطر أو سطرين فقط، لكن لأن صفات التعالم والكبر وعدم الاستيعاب أصبح لها صولة وجولة في عالمنا هذا فإن الأمر قد يتطلب تطويلا نوعا.. لا تجزع فلن أطيل عليك وإنما قلت هذا لأنبهك إلى قضية خطيرة وهي: أن تلك الصفات تمنع الكثيرين من الفهم، وتتطلب إنتاج الكثير من المقاطع المرئية، وتصنيف الكثير من الكتب، وتدبيج العديد من المقالات لتوضيح حقيقة ما رغم وضوحها وجلائها..
ولا تظنن أيضا أن هذه الشبهة وليدة اللحظة أو أن من قالها صحفيون هنا وهناك.. لا.. لقد سبق إلى القول بها فرق بدعية خرجت عن السياق والنسق العام للأمة، بل إن بعضها والى أعداء أمته حنقا عليها وبغضا لها بل إن بعض أتباع هذه الفرق خرج من الإسلام بسبب انتشار ثقافات وافدة كالشعوبية التي كانت ترى في العرب حثالة لا تستحق أن تكون أمة ذات حضارة بله أن تسيطر وتستوعب حضارتين عظميين! تماما كما هو شأن غلبة الثقافة الوافدة اليوم على العالم الإسلامي!
وقد تلقّى هذه الشبهة وعمل على نشرها ثلة من المستشرقين، واشتغلوا على جانبين: جانب الطعن في القرآن وجانب الطعن في السنة ثم لما عجزوا وجهوا سهامهم مجتمعة إلى رأس الكتب الجامعة لصحيح السنة وهو صحيح الأمة، المسمى صحيح البخاري، كل هذا بغية إسقاط السنة تباعا بعد ذلك إذ لو سقط هذا الكتاب فغيره من باب أولى!
بعد رسم ملامح البيئة التي نشأت فيها تلك الشبهة وأُسُّها ومآلها المرجو أعتب على بعض الشباب المسلمين الذين يجدون الكثير من الوقت للّعب وسماع بعض الثرثرات بما فيها تلك الشبهات المسمومة الفارغة ثم لا يجدون وقتا يسيرا لسؤال اهل العلم أو محاولة قراءة كتيب صغير في علم مصطلح الحديث أو كتاب متوسط في بيان أهمية الجامع المسند المختصر لسنن رسول الله، والمسمى صحيح البخاري، حقيقة إنها مأساة.. مأساة أن تجد من يجهد في تفتيش المحلات ووضع عروض أسعار على سلعة ما يبتغي شراءها ثم لا يأبه في إنفاق وقت يسير من وقته يحدد مصيره الدنيوي والأخروي! أليس هذا عجيباً؟ ألا يدل هذا على أن ثمة إشكالا في التفكير ووضع القضايا في مواضعها المناسبة لها؟ بلى..
حسن.. وماذا عن البخاري؟
البخاري إمام من أئمة الحديث الكبار، ليس معصوما.. نعم، ولكنه بذل وسعه وسخر ماله ووقته وجهده في سبيل إخراج كتاب استغرق منه في إعداده 16 عاما كاملة، ولأنه ليس معصوما فقد جاء الأئمة بعده ففحصوا كتابه على مدى ثلاثة قرون وأكثر، وخرجت لنا كتب تعد نقدا لكتاب الصحيح لكن.. كانت المفاجأة، والتي تمثلت في أمرين:
الأمر الأول: صحة جميع ما في كتاب البخاري من أحاديث عدا بضعة أحاديث، علما أن هذه الأحاديث المنتقدة اختلف فيها البخاري وغيره، بمعنى أن بعض من انتقده ضعفها، والبخاري يقول يصححها، فهما قولان وليس قول أحدهما أحق من قول الآخر.. بمعنى أن أي شخص بمن فيهم أنا وأنت لا نستطيع الجزم بأن البخاري أخطأ في الثلاثة أو الخمسة الأحاديث هذه، وأن الصواب مع غيره كما أننا لا نستطيع أن نجزم بصحة ما قاله البخاري إلا إذا بلغنا مرتبة تقارب مراتب أولئك الأئمة، ومعلوم أن علم الحديث علم عميق ودقيق، وإذا كان أحدنا لا يشتري الخضار إلا من عند بقال معروف وأمين فكيف بعلم الدين المتمثل بعلم الحديث.. الحقيقة.. والله أني أكتب هذه السطور وأضحك للحالة العجيبة التي أصابة العقل البشري في تعاطيه مع قضايا خطيرة كهذه، وبالأخص العقل المسلم الذي يرى في حزمة الخضار أهمية تربو على أهمية كلام نبيه r.
الأمر الثاني: أن أكثر إمام انتقد البخاري وفحص أحاديثه هو الإمام الدارقطني، وأخرج لنا في ذلك كتابين: الإلزامات، والتتبع، وقد طبع الكتابان في كتاب واحد، ومن يقرأ هذين الكتابين أو في كلام علماء الحديث الذين ناقشوا الدارقطني، من يقرأ كل ذلك أو بعضه يعرف للوهلة الأولى أن انتقاد الدارقطني كان جلّه في الصناعة الحديثية، ومدى انطباق الشروط التي وضعها البخاري على الأحاديث التي أخرجها، مع إقرار الدارقطني أن كل ما في صحيح البخاري صحيح عن رسول الله أو حسن؛ لأن مراتب الصحة اثنتان: الصحة والحسن، فالدارقطني انتقد البخاري من ناحية الصناعة الحديثية، وهي قضية تتعلق بالأسانيد وكيفية سردها، ومراتب الرواة، أي أنها بالتعبير المعاصر جوانب فنية وشكلية أكثر منها موضوعية علما أن المحدثين لا يعتبرون تلك الانتقادات شكلية، فقد كانت دقتهم شديدة جدا..
ومن جانب آخر كان انتقاد الدارقطني موجها لدرجة بعض الأحاديث، فهو مثلا يقول حديث: كذا صحيح لكنه ليس على شرط البخاري؛ لأن شروط البخاري شديدة، ولهذا نازعه كثير من أهل العلم في بعض شروطه، وبعضهم صنفوا كتبا في انتقاد البخاري أو منهجه ليس لأنه منهج ركيك هزيل، وإنما لكونه شديدا جدا، والعجيب أن شرط البخاري الذي تشدد فيه لم يكن شرطه في كتابه المختصر فقط بل كان شرطه في التصحيح مطلقا، ولهذا قال أهل العلم إذا جاء التصحيح من البخاري فعض عليه بالنواجذ، وقد أكثر الترمذي من النقل عن البخاري في تصحيح أو تضعيف بعض الأحاديث لدقة البخاري ومعرفته بالعلل، وعلم العلل علم دقيق للغاية لا يفطن له أعاجم كالمستشرقين ولا صحفيو الجرائد الصفراء والخضراء..
أعود فأقول: كان الدارقطني يرى أن حديثا ما حسنا وليس صحيحا كما يقوله البخاري، وقد تقدم أن الحسن من مراتب الصحة والقبول، فهم اختلفوا في درجة الحديث في مراتب القبول والصحة وليس في الصحة والضعف.
كان هذا هو انتقاد الدارقطني وغيره من أهل العلم لكنهم جميعا بعد التمحيص الشديد والشد والجذب والمراسلات والنقاشات وتتبع طرق وأسانيد الأحاديث ومقارنة المرويات ببعضها، والنظر في الرجال وما يتصل بروايتهم ليس من حيث الوثاقة والضعف؛ لأن جميع رجال البخاري الذين أخرج لهم في (أصول) الصحيح ثقات بلا استثناء.. القضية في وجود مسائل فرعية دقيقة تتصل بقضايا حديثية مثل التدليس، واللقي والسماع، وصيغ الأداء، وتحويل الأسانيد، والمتابعات.. إلخ.. وبعد هذا كله اتفقت الأمة على كون الصحيح المختصر المسند من سنن رسول الله وأيامه هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وأن الطاعن فيه لا يخلو من حالتين: إما أن يكون جاهلا أو مغرضا.. لا ثالث لهما، والجاهل يلزمه التعلم والمغرض نسال الله له الشفاء من مرضه..
والآن ألا ترى معي أنهم كذبوا عليك وضللوك فقالوا: إن البخاري ليس معصوما.. وأنه يجب مراجعة الصحيح مراجعة نقدية..
والله إنه لأمر مضحك أن يقول هذا من لا يحفظ الأربعين النووية!
سبحانك ربي..
لقد كذبوا عليك فقالوا إن صحيح البخاري لم يدرسه علماء الإسلام ويفحصوه على مدى قرون..
وكذبوا عليك حين قالوا: إن ما في الصحيح أحاديث ضعيفة ومكذوبة..
وكذبوا عليك حين أوهموك أنهم قادرون على دراسة هذا الكتاب العظيم في حين أن بعضهم والله- لا يفرق بين الإرسال والإرسال الخفي.
ودلسوا عليك حين أوهموك أن قولهم: البخاري ليس معصوما أنها حجة قاطعة.. في حين أن النقاش ليس في هذه النقطة؛ لأنه لا أحد يقول إنه معصوم، النقاش في كون هذا الكتاب قد اعتمدته الأمة المعصومة، ولنقل تنزلا قد اعتمده المختصون الكبار في هذا العلم وعلى مدى قرون..
أما أولئك الذين يرمون الكلام على عواهنه ويتكلمزن على البخاري وكأنه زبال لا يساوي فلساً.. في حين أنه لا يعرف لأهل القدر إلا أهل العلم..
الحقيقة لست أدري من أين أتى أمثال هؤلاء بالعنجهية والكبر الفارغين، وما هي الإجابة التي ستنقذهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015