الإمام الترمذي ومنهجه في جامعه
اسم الترمذي ومولده:
هو الإمام الحافظ: محمَّد بن عيسى بن سَوْرة بن
موسى بن الضحاك التِّرمِذي، وكنيته: أبو عيسى؛ ولد في سنة تسعٍ ومائتين؛ ورحل في
طلب العلم، فذهب إلى خراسان والعراق ومكة والمدينة، وتوفي بترمذ ليلة الاثنين
لثلاث عشرة ليلةً مضت من رجبٍ سنة تسعٍ وسبعين ومائتين، وكان عمره سبعين عامًا.
شيوخ التِّرمِذي:
تلقى الترمذي العلم على كثير من الشيوخ منهم: قتيبة
بن سعيدٍ، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن عمرٍو السواق
البلخي، ومحمود بن غيلان، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وغيرهم، ولكنه لازم البخاري
كثيرا وأطال ملازمته وتأثر به واستفاد منه، ولذا نجد كتب الترمذي مليئة بالنقل عن
البخاري، وقد صرح هو في آخر كتابه الجامع بأن أكثر ما ذكر في كتاب العلل والكلام
على الرجال والتاريخ مما ناظر به محمد بن إسماعيل البخاري، وأبا زرعة الرازي.
أقوال العلماء في التِّرمِذي:
·
قال ابن حبان (رحمه
الله): كان أبو عيسى ممن جمع وصنَّف، وحفظ وذاكر؛
·
قال أبو سعد الإدريسي
(رحمه الله): التِّرمِذي: أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب
"الجامع" والتواريخ والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يُضرَب به المثَل
في الحفظ
·
قال الحاكم (رحمه الله):
سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى، في العلم
والحفظ، والورع والزهد، بكى حتى عمِي، وبقي ضريرًا سنين.
متى ألف الترمذي جامعه:
ألف الترمذي كتاب السنن في آخر حياته؛ لأنه انتهى
منه في يوم الأضحى سنة سبعين ومائتين أي قبل وفاته بنحو تسع سنوات، أي أنه ألف
السنن في حال نضجه العلمي، وبعد أن رسخت قدمه في العلم.
اختلاف أهل العلم في اسم جامع الترمذي:
اختلف العلماء في تسمية سنن الترمذي على أقوال،
فسماه الخطيب البغدادي (صحيح الترمذي)، وسماه الحاكم بالجامع الصحيح، واطلاق اسم
الصحيح على جامع الترمذي فيه قدر كبير من التجوز والتوسع لأمرين:
الأول: أن جامع الترمذي احتوى على أحاديث ضعيفة بل
وموضوعة، قال الذهبي: "في (الجامع) علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو
أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل".
بل أشار الذهبي في تاريخه إلى أن رتبة الترمذي
انحطت عن رتبة سنن أبي داود والنسائي لكونه أخرج أحاديث لمحمد بن سعيد المصلوب وهو
ممن اتفق أهل العلم على أنه من الكذابين الوضاعين للحديث، وأيضا لمحمد بن السائب
الكلبي، وهو أحد المشهورين بالكذب ووضع الحديث وأمثالهما، لكن يجدر التنبيه إلى أن
الترمذي لم يخرج لأمثال هؤلاء منفردين إلا أنه -كما يقول ابن رجب- قد يخرج حديثا
مرويا من طرق أو مختلفا في أسناده وفي بعض طرقه متهم، قال ابن رجب: نعم قد يخرج عن
سيء الحفظ وعمن يغلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عليه.
الثاني: صنيع الترمذي نفسه في نقده للأحاديث التي
يعلها في كثير من الأحيان، وهذا يعني أنه لم يقصد التأليف في الصحيح المجرد.
والاسم الصحيح للكتاب هو: "الجامع المختصر من
السنن عن رسول الله r ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه
العمل"، ومن خلال الاسم تتبين لنا ملامح رئيسية للكتاب وهي:
أولا: أن تسمية سنن أبي داود بالجامع هو الأصوب،
لأن الترمذي لم يقتصر على أحاديث الأحكام كما هو شأن أبي داود، بل لقد ضم إليها
أبوابا أخرى كأبواب صفة الجنة وجهنم والعلم والاستئذان وفضائل القرآن والقراءات
وغيرها، والترمذي لم يستعمل لفظ كتاب كما فعل البخاري ومسلم وأبو داود، وإنما
استعمل لفظ أبواب، فيقول: أبواب الطهارة، أبواب الصلاة.. إلخ ثم يضع تحت هذا
العنوان الأبواب، فيقول مثلا: باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، باب ما جاء في فضل
الطهور، ويدل مضمون هذه العناوين على ما يورده من أحاديث تحتها، وقد بلغت أبوابه
46 بابا كلياً، أما الأبواب الفرعية فبلغت 2224 بابا، وبلغت أحاديثه 3956 حديثا.
ثانيا: أن ما في سنن الترمذي ليس كل ما جمعه
الإمام طوال عمره من السنة بل انتقاه مما كان يحفظه، تماما كما فعل البخاري ومسلم
وأبو داود.
ثالثا: أن جامع الترمذي اشتمل على الصحيح والضعيف،
والأحاديث التي عليها العمل سواء كانت صحيحة أم كان فيها مقال، ويمكن تقسيمها
إجمالا على أربعة أقسام:
1-
الصحيح الذي أخرجه
الشيخان.
2-
ما كان على شرط أبي داود
والنسائي
3-
ما أخرجه للضدية في موضع
الخلاف بمعنى أنه يأتي بدليل المذهب الراجح ثم يخرج دليل المذهب المخالف.
4-
ما أخرجه لأنه عمل به بعض
الفقهاء.
وبهذا
يتضح أن شرطه واسع جدا لكنه تدارك ذلك بكلامه على الأسانيد والرواة وإعطاء كل حديث
حكمه، فالترمذي وإن بنى كتابه على هذا الشرط وهو أن يخرج الحديث الذي عمل به بعض
الفقهاء إلا أنه إضافة لنقده ما يراه ضعيفا يستفاد من كتابه في معرفة أحاديث زائدة
على الصحيحين مع بيان حكمها، وكذلك معرفة الحسن لذاته، والحسن لغيره، وهو كثير في
جامع الترمذي، كما أن جامع الترمذي اشتمل على أحاديث ضعيفة صالحة للاعتبار وتنفع
للتقوية إذا انضمت إلى حديث صحيح في الباب نفسه.
مزايا جامع الترمذي:
يتمتع جامع الترمذي بجملة مزايا وهي:
أولا: اهتمامه
بالنواحي الفقهية وتمثل هذا في ذكره أقوال فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبيان
ما عليه العمل في الأمصار، فيقول مثلا: "وعليه العمل عند أهل العلم"وعلى
هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، "وعليه العمل
عند بعض أهل العلم".
ثانيا: كثيرا
ما يورد الترمذي الحديث، ويعقبه بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، فيكتفي بالإشارة
للأحاديث المشابهة لحديث الباب ليرجع إليها الباحث، ولشيخنا حسن حيدر كتاب جمع
وخرج فيها هذه الأحاديث التي أشار إليها الترمذي، واسمه غذاء الالباب في قول
الترمذي وفي الباب.
ثالثا: من
فوائد
سنن
أبي
عيسى
أنه
كثيرا
ما
يذكر
عبارة
(أصح ما في
الباب،
أو
أحسن
شيء
في
في الباب، وقد جمعها أحدهم
في مقالة بعنوان: (أصح ما في الباب في سنن الترمذي) جمع فيها ستا وثلاثين بابا،
وقول المحدثين أصح ما في الباب لا يعني تصحيحا إذا الأصحية هنا نسبية، فقد يكون ما
عداه ضعيفا شديد الضعف.
رابعا: تميز
جامع الترمذي بالحكم على الأحاديث، وبيان درجتها، وكانت له في ذلك اصطلاحات خاصة
كقوله: حسن صحيح، وحسن غريب وغيرها، وقد وقع خلاف كبير بين أهل العلم في المراد
بمصطلحات الترمذي هذه يمكن مراجعتها في كتب المصطلح.
خامسا: تكلم
الترمذي على جملة من الرواة تعديلا أو تجريحا، كقوله: "هلال بن عبد الله
مجهول"، وقوله: "محمد بن عطية ضعيف ذاهب الحديث"، وله عبارات كثيرة
في هذا المجال منها ما تقدم وقوله: ليس عندهم بذلك القوي، منكر الحديث، تُرك حديثه كما أنه قد يميز الكنى والألقاب
كقوله: وأبو هاشم إسماعيل بن كثير.
سادسا: تعليل
الأحاديث، والإمام الترمذي في هذا المجال يتوسع في العلة لتشمل كل إشكال في إسناد
الحديث أو متنه أو حتى تسمية بعض رجال الإسناد بل سمى النسخ علة عندما تكلم على
حديثين لم يعمل بهما أهل العلم.
وقد سلك
الترمذي ثلاثة مناهج في سرده للعلل:
الأول: اعتمد
على شيوخه البخاري وأبي زرعة والدارمي في تعليل الأحاديث فسألهم ونقل عللهم في
ذلك، وهو مع ذلك قد
ينقل
عنهم ويوافقهم، وقد يخالفهم، وقد يذكر اختلافهم
في
المسألة
ويرجح
بعضهم،
وقد
يذكر
خلافهم
ولا
يرجح
أحدا.
الثاني: أن
ينقل علل الحديث عن غير شيوخه كأحمد بن حنبل وابن عيينة وابن مهدي وابن معين وشعبة
وغيرهم.
الثالث: أن
يعل الحديث بنفسه، كقوله في حديث: "التمس لي ثلاثة أحجار فأتيته بحجرين
وروثة" قال الترمذي: وهذا حديث فيه اضطراب".
شروح الترمذي:
هذا وقد حظي
جامع الترمذي بالكثير من الشروح منها:
-
عارضة الأحوذي لابن
العربي المالكي.
-
قوت المغتذي للسيوطي
-
تحفة الأحوذي للمباركفوري



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات