الإمام النسائي ومنهجه في كتابه السنن [2]
في
الجزء الأول من مقال: "الإمام النسائي ومنهجه في كتابه السنن" عرفت
بالإمام وأهم شيوخه وتلاميذه وملامخ من منهجه في كتاب، ووصلت إلى النقطة الخامسة
وهي:
خامسا: الحرص على إخراج الحديث الصحيح
إذا وجده في الباب:
حرص النسائي في الباب الواحد على
إخراج الحديث الصحيح إذا وجده فإن لم يجد
أخرج بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم
وترك حديثهم، وربما أخرج الحديث الصحيح ثم أعقبه ببعض الأحاديث الضعيفة، وذلك لكون
الحديث الضعيف تضمن زيادة لم ترد في الحديث الصحيح، كما أن النسائي يبين أصح ما في
الباب، فيقول: أصح ما في هذا الباب حديث فلان عن فلان ويذكر الحديث بسنده.
سادسا: العناية بعلل الحديث:
اعتنى النسائي بعلل الحديث، وينقد
المتون التي ظاهرها الصحة قال ابن رشيد: "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في
السنن تصنيفاً، وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير من
بيان العلل التي كأنها كهانة".
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
"ولم يكن أحدٌ في رأس الثلاث مائة أحفظَ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله
من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة".
ويعبر النسائي عن العلة بالاختلاف على
الراوي، فمثلا بوب النسائي: باب كيف الوتر بثلاث وساق حديثا عن عائشة في الوتر
بثلاث وآخر عن أبي بن كعب في ماذا يقرأ في كل ركعة من صلاة الوتر ثم قال: ذكر
الاختلاف على أبي إسحاق في حديث سعيد بن جبير في الوتر، وساق بسنده عن ابن عباس
قال: كان رسول الله r يوتر بثلاث يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك
الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد، وقال:
أوقفه زهير ثم روى الحديث بسنده من طريق زهير عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس
أنه كان يوتر بثلاث إلخ.
فالنسائي يرى أن الموقوف أصح من
المرفوع ولهذا قدم المعل أولا لكنه قبل ذلك ذكر معتمده في الباب وهو حديث أبي بن
كعب ثم نبه على الصواب في رواية ابن عباس.
سابعاً: الحكم على الأحاديث:
أحياناً يبين النسائي درجة الحديث أو
علته، فيقول مثلا: حديث منكر، غير محفوظ، ليس بثابت، أخطأ فيه فلان، هذا حديث
صحيح، الأصح مرسل، هذا حديث جيد، الصواب موقوف، وغيرها، فالنسائي يتكلم على الحديث
أحياناً، والأغلب هو سكوته.
ثامنا: طريقة ترتيب سنن النسائي:
رتب النسائي كتابه على طريقة الكتب
والأبواب، وقد جمع النسائي في كتابه أحاديث الأحكام ، وقسمه إلى كتب ، وعدد كتبه (58) كتابـًا
، وقسم كل كتاب إلى أبواب.
والنسائي في ترتيبه للأحاديث يراعي
ذكر الحديث الذي حكمه عام، ويردفه بالحديث المخصص له، والحديث المجمل، ويليه المبيِّن،
والحديث الناسخ، ويليه المنسوخ، ويبتدئ بالحديث النازل، ويليه العالي، وعكسه وهو
أكثر.
تاسعا: دقة النسائي وشدة تحريه:
حرص النسائي كغيره من المحدثين على
دقة التعبير الرواية بناء على طريق التلقي من الشيوخ، فقد كان بينه وبين القاضي
الحارث بن مسكين جفوة فكان يحضر مجلس حديث ويستتر كي لا يراه، فلما كان يحدث عنه
لا يقول: حدثنا الحارث أو أخبرنا، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا
أسمع.
عاشرا: شرط النسائي
في سننه:
تشدد النسائي في من يخرج لهم من الرواة، فهو لا يخرج إلا من هو
ثقة عنده، قال النسائي: "لما عزمت على جمع السنن استخرت الله تعالى في
الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في
جملة من الأحاديث كنت أعلو فيها عنهم.
قال ابن رجب: وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك –أي من شرط أبي
داود والترمذي- ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه وكثر.
وقد كان النسائي متشددا في حكمه على الرجال، قال الذهبي:
" مالك بن دينارٍ هذا النسائي قد وثقه، وهو لا يوثق أحدا إلا بعد
الجهد".
لكن ليس معنى كون النسائي لا يخرج إلا عن ثقة عنده أنه فعل ذلك
في كتابه كله، لأن النسائي كان يحرص على إخراج الحديث الصحيح في الباب، فإن لم يجد
بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم
وترك أحاديثهم، وقد يورد في الباب حديثا صحيحا ثم يورد حديثا ضعيفا أو أكثر لكون
هذا الحديث تضمن زيادة ليست في الحديث الصحيح.
درجة أحاديث السنن:
سنن النسائي من مظان الاحاديث الصحيحة والحسنة، وهذا الصنف هو
الأغلب، وما فيها من أحاديث ضعيفة ومنكرة فشيء قليل، وغالبا ما ينبه عليها، قال
الحافظ: "كتاب النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ورجلا
مجروحا"، فسنن النسائي يشمل:
-
أحاديث متفق عليها.
-
الصحيح الذي على شرط
الشيخين أو أحدهما.
-
الصحيح الذي ليس على شرط
واحد منهما.
-
أحاديث أخرجها فيها ضعف،
وقد أبان عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وسبب تخريجه كغيره الحديث الضعيف الرد
على قوم احتجوا بها فيخرجها النسائي ليبين علتها هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن
بعض أهل العلم كان يرى تقديم الحديث الضعيف على الرأي، وبهذا يظهر أن إطلاق بعض أهل العلم اسم الصحيح على سنن النسائي
غير سديد إلا باعتبار أن أغلب أحاديث النسائي صحيحة وهو كذلك، فسنن النسائي هو
أنقى كتب السنن الأربعة.
هذا وقد بلغ عدد أحاديث سنن النسائي 5754حديثا بحسب بعض
الطبعات، وفي طبعات أخرى بلغت الأحاديث 5803 حديثا، واختلاف العد بسبب الاختلاف في
عد سند أو حديث ما حديثا مستقلا او أنه تابع لغيره.
رواة سنن النسائي:
تلقى العلم عن النسائي كثيرون، ولهذا كثر رواة السنن ومن
أشهرهم:
أحمد بن محمد بن إسحاق السني، وهذا آخر من روى عنه السنن، ومن
الرواة كذلك: عبد الكريم ابن النسائي، ومحمد بن معاوية الشهير بابن الأحمر.
أشهر شروح النسائي:
اعتنى أهل العلم بسنن النسائي فشرحه جلة منهم، ومن هذه الشروح:
1- زهر الربى على المجتبى لجلال الدين السيوطي، مطبوع.
2- حاشية على النسائي لنور الدين محمد السندي، مطبوع.
3- شرح سنن النسائي لمحمد المختار الشنقيطي طبع منه ثلاثة مجلدات
ولم يكمل.
4- ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لمحمد بن علي آدم الأثيوبي.
والحمد لله رب
العالمين.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات