-->
»نشرت فى : الخميس، 28 نوفمبر 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الإمام النسائي ومنهجه في كتابه السنن [1]


       لقد زخر تراثنا الفكري والعلمي بالكثير من الشخصيات من أهمها الإمام النسائي صاحب أحد الكتب الأربعة صحة بعد البخاري ومسلم في الحديث النبوي الشريف، وفيما يلي تعريف بهذا الإمام ومنهجه في كتابه السنن.

اسمه ومولده:

     هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخراساني النسائي، ولد رحمه الله في نسا في عام 215 هــ  وقيل 214هـ، وقد طلب العلم منذ صغره، فقد رحل إلى قتيبة بن سعيد في سنة 230 هـ، وعمره حوالي 15 عاما، وأقام عند قتيبة ولازمه أكثر من سنة، ولذلك يعتبر إسناد النسائي عاليا في بعض الشيوخ، ومن جملتهم قتيبة بن سعيد،  والذي ولد 149هـ، وعاش مائة عام.
كما سمع النسائي من إسحاق بن راهوية ومن أبي داود والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وغيرهم من كبار المحدثين، وقد شارك البخاري ومسلما في كثير من شيوخهم.
لكن اختلفوا هل سمع النسائي من البخاري وروى عنه أو لا، فصحح الذهبي أن النسائي لم يرو عن البخاري شيئاً، ورجح السخاوي أن النسائي سمع من البخاري وروى عنه، وأنه المقصود بقوله في السنن: حدثنا محمد بن إسماعيل، بل قال الحافظ في تهذيب التهذيب: "وقد وقع لي خبر صرح فيه النسائي بالرواية عن البخاري" وذكر الإسناد الذي صرح فيه النسائي بذلك.
     ولأهمية الرحلة في طلب علم الحديث رحل النسائي إلى عدة بلدان منها: خراسان والحجاز والعراق والشام، ومصر وراق له العيش في مصر فبقي فيها إلى أن توفاه الله سنة 303 هــ أي أن النسائي عمّر قرابة التسعين عاما، ولأجل ما تمتع به النسائي من طول عمر وعلو أسانيد رحل إليه طلاب العلم من كل حدب وصوب، وتتلمذ عليه كثيرون منهم أئمة كبار كابن حبان صاحب الصحيح، والعقيلي صاحب الضعفاء، وابن عدي، وأبي عوانة، والطبراني صاحب المعاجم الثلاثة، وابن السني، وغيرهم كثيرون.
أما عن وفاة النسائ فثمة قول في كيفية وفاته وهو أنه دخل دمشق فوجد أغلب أهلها منحرفين عن علي بن أبي طالب بل إن بعضهم كان يسبه ويذمه، فألف كتابا في خصائص علي بن أبي طالب، فعابوا عليه ذلك إذ كيف يخص عليا بتصنيف دون باقي الخلفاء، فكتب كتابا في فضائل الصحابة، ولكنه لم يخرج في فضل معاوية رضي الله عنه شيئاً، لأنه لم يجد في فضله شيئاً على شرطه بل الأحاديث التي وردت في فضله لا تصح، فغضب عليه أهل دمشق فضربه بعضهم في أحد المساجد، ويبدو أن الضرب كان شديدا فأثر فيه فقال لرفقائه: "احملوني إلى مكة" فحمل وتوفي هناك رحمه الله، وقيل إنه توفي بالرملة في فلسطين وهو ما رجحه الذهبي.
      أما عن صفته الجسمية فقال الذهبي: "كان النَّسَائي شيخًا مَهِيبًا، مليحَ الوجه، ظاهر الدم، حسَن الشيبة، وقال أيضًا: كان النَّسَائي نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخُضْر، له أربع زوجاتٍ"، فيبدو أن النسائي كان حسن الحال موسراً.

مؤلفات النسائي:

    أما عن مؤلفاته فقد كتب العديد من الكتب والتي تزيد على ثلاثين كتابا منها:
1.    أحسن الأسانيد التي تروى عن رسول الله r.
2.    الأسماء والكنى.
3.    تسمية الضعفاء والمتروكين
4.    عمل اليوم والليلة
5.    السنن الكبرى أو الكبير
6.    فضائل القرآن، وغيرها.
وأهم مصنفاته وأشهرها: السنن، وقد اختلف أهل العلم في كون كتاب السنن من تصنيف الإمام النسائي أم من تصنيف أحد تلاميذه على قولين، لأن السنن الموجودة لدينا الآن كتابان: السنن الكبرى، والسنن الصغرى، وتسمى المجتبى أو المجتنى أو السنن الصغرى، والخلاف في السنن الصغرى هل هي للنسائي أو لتلميذه ابن السني؟ قولان:
     القول الأول: أن السنن الصغرى صنفها النسائي نفسه، وأن سبب ذلك أن بعض الأمراء سأل النسائي عن كتابه السننُ الكبرى: أكله صحيح؟ فقال: لا، فقال: اكتب لنا الصحيح مجردا، فصنع المجتبى من السنن، وترك كل حديث أورده في السنن الكبرى مما تكلم في إسناده بالتعليل.
وإلى هذا القول ذهب ابن كثير والسخاوي وآخرون، وهذه الحكاية منقطعة لا تثبت وواقع الكتاب يردها لأنها الصغرى قد اشتملت على أحاديث يحكم عليها النسائي نفسه بالضعف.
     القول الثاني: أن السنن الصغرى اختصرها تلميذه ابن السني من السنن الكبرى للنسائي، وبهذا قال الذهبي وابن ناصر الدين الدمشقي لكن رد بعضهم هذا القول في كون السنن الصغرى قد اشتملت على كتب ليست موجودة في الكبرى، وكذلك العكس، فهي بمثابة كتاب مستقل وإن كان النسائي في الأصل اجتباها من الكبرى.
وقال آخرون وهذا يصح أن يكون قولا ثالثا: أن ابن السني هو من رواة الكبرى وبما أن رواة الكبرى كثيرون فقد اختلفوا في روايتها زيادة ونقصا، وأن السنن الصغرى ما هي الا رواية غير مكتملة للسنن الكبرى.

منهج النسائي في السنن:

    يتلخص منهج النسائي في سننه فيما يلي:
أولا: الإخراج لرجال الطبقة الثالثة:
النسائي يخرج لرجال الطبقة الثالثة عند إخراجه لأحاديث أمثال الزهري، وهم من لازموا شيوخهم لكنهم لم يسلموا من النقد والجرح، وينتقي النسائي من الرابعة ما صح من حديثهم، وفي المتابعات والشواهد.
ثانيا: الجمع بين الفقه والحديث:
وقد تجلى هذا في كونه يورد الحديث في أكثر من موضع لأنه يستنبط منه أكثر من حكم، وفي كثير من الأحيان يقتصر على موضع الشاهد، كما أنه نقل عن الفقهاء شيئا يسيرا، وهذا من الفروق بين الترمذي والنسائي، وهي أن الترمذي أولى عناية كبيرة لآراء الفقهاء في حين أن النسائي لم يفعل ذلك.
ثالثاً: إيراد الآثار والمراسيل:
أورد النسائي عددا لا بأس به من الآثار والمراسيل، ونادرا ما يورد حديثا معلقا، بل ذكر بعض الباحثين أنه لا يوجد في سنن النسائي غير حديثين معلقين، وبهذا يفارق النسائي كلا من البخاري ومسلم والترمذي، فهؤلاء الأئمة رغم إخراجهم للمعلقات على قلة إلا أن النسائي أقلهم جميعا، فالبخاري أخرج حوالي 160 حديثا معلقا، وهذا العدد هو ما لم يخرجه البخاري في موضع آخر موصولا، لأن عدد المعلقات في صحيح البخاري هي 1341 حديث تقريبا وجميعها وصلها البخاري في موضع آخر من صحيحه عدا 160 حديث، ثم هي تعم ما كان عن رسول الله r وما كان عن غيره، وهذه كلها وصلها ابن حجر في كتابه تغليق التعليق، وأما مسلم فالأحاديث المعلقة 14 حديثا فقط، وقد تقدم أن الأحاديث المعلقة ليست على شرط الصحيحين.

رابعا: الكلام على الرواة:

      تكلم النسائي على كثير من الرجال جرحا وتعديلا، وهو في الغالب لا يسكت عن الرواي الضعيف بل يبين حاله كقوله في محمد بن الزبير الحنظلي: ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وكلامه في الجرح والتعديل كثير حتى لا يكاد يخلو كتاب من كتب الرجال من نقل عن النسائي، ولهذا قام أحد الباحثين المعاصرين بجمع كلام النسائي في سننه وجعله في كتاب خرج باسم: المستخرج من مصنفات النسائي في الجرح والتعديل، فأورد كلام النسائي في السنن جرحا وتعديلا
ومما يتعلق بهذا الجانب تسمية النسائي لبعض الرواة المعروفين بالكنى، وتكنيته لبعض المتسمين مثل قوله: أبو عمار اسمه علي بن حميد..

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015