شرح حديث: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
عن أبي هريرة -رضي
الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قاتل
الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه.
ولمسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
الشرح
في هذا الحديث جملة
مسائل:
أولا: مشروعية لعن اليهود والنصارى على وجه العموم، وعلى هذا
نص فقهاء المذاهب الأربعة، وقد دل على هذا الجواز القرآن أيضا نحو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ البقرة: ١٦١]، بل نقل القاضي عياض الإجماع على جواز الدعاء
على الكفرة، ونقل القرطبي الإجماع على جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم، وكذلك قال
ابن كثيرن، وقال ابن الملقن: " لعن اليهود والنصارى غير المعينين وهو إجماع
سواء أكان لهم ذمة أم لم يكن لجحودهم الحق وعداوتهم الدين وأهله".
واختلفوا في لعن المعين على قولين:
القول الأول: الحرمة وبه قال الحنفية والشافعية إلى الحرمة،
واستدلوا بجملة أدلة منها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ البقرة: ١٦١، ونحن لا نعلم حال الكافر المعين عند الوفاة
وقد شرط الله لعنه موته على الكفر، وأجيب بأن الآية لم تتعرض للعن الحي فلا مفهوم
لها.
القول الثاني: الجواز وبه قال الحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية
واختاره ابن حزم وابن تيمية واستدلوا بجملة أدلة منها قوله تعالى: ﴿ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ
لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾، ففي الآية جواز لعن الفاسق والكافر من باب أولى، كما أن
اللعن اعتبارا بظاهر الحال، فيلعن الكافر المعين لظاهر حاله كسائر الأحكام
المتعلقة بالكفر.
ثانيا: دل هذا الحديث على حرمة اتخاذ القبور مساجد، وأن هذا
من فعل اليهود والنصارى وأنه السبب في جلب اللعنة عليهم، وإن مما يؤسف له أن هذا
الحديث وأمثاله لم يلق له بعض المسلمين بالا، فحملوه على محامل بعيدة رغم وضوحه نقلا
وفهما وواقعا، فهاهي البلدان التي تنتسر فيها الأضرحة يسارع أهلها في الاستغاثة
بمن يسمونهم الأولياء، ويتفنون في سبيل التذلل لهم، والخنوع والخضوع لهم
ولأضرحتهم، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، بل إن بعضهم لييأس من أن يجيب
الله دعوته ويختصر الطريق بحسب ظنه فيعقد كل آماله على مخلوق مثله، فيرجوه وقت
حاجته، ويدعوه وقت مخافته، ويدعوه واقفا أما قبره وقفة العبد الذليل.
ثالثا: معنى اتخاذ القبور مساجد الصلاة إليها وعليها كما نص
عليه ابن حجر الهيتمي في الزواجر، وكذلك بناء المساجد عليها والصلاة فيها كما نص
على هذا الشافعي، فقال في الأم: "وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يُسوّى،
أو يُصلّى عليه، وهو غير مُسوّى أو يُصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء".
رابعا: نصت الرواية الأولى على اليهود دون النصارى بخلاف
الثانية التي نصت عليهما جميعا، وقد يقول قائل: كثرة الأنبياء في اليهود معلومة
وهذا غير موجود في النصارى إذ ليس لهم إلا نبي واحد وهو عيسى فكيف يتخذون قبور
أنبيئهم مساجد ولا نبي لهم إلا عيسى الذي رفع ولم يمت أصلا؟ والجواب على ذلك أن
أنبياء اليهود هم أنبياء النصارى، فالنصرانية امتداد لليهودية وإن أضحت دينا
مستقلا بعد ذلك لكن هذا لا يغير شيئا من كون النصارى يعترفون بموسى وبأنبياء بني
إسرائيل ويعدونهم من أنبياء العهد القديم.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات