-->
»نشرت فى : الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الرجوع عن الإقرار



اختلف فقهاء المسلمين في اشتراط بقاء المقر على إقراره إلى إتمام الحد المتعلق بحقوق الله على قولين:
القول الأول: يشترط البقاء على الإقرار حتى يقام الحد، وبهذا قال الحنفية([1])، والمالكية([2])، والشافعية([3])، والحنابلة([4]).
واستدل أصحاب هذا القول بحديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة([5]).
ووجه الدلالة أن "الرجوع خبر يحتمل الصدق والكذب كالإقرار الأول فأورث شبهة وهو يدرأ بها وهذا لأن كل واحد من كلاميه يحتملها فلا يمكن العمل بأحدهما لعدم الأولوية فيترك على ما كان بخلاف القصاص وحد القذف لأنه من حقوق العباد وهو يكذبه والحد حق الله فلا يكذب له"([6]).
القول الثاني: لا يشترط ذلك، وروي هذا عن الحسن البصري وسعيد بن جبير([7]) وابن أبي ليلى([8]).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: أبي هريرة قال: جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأمر به في الرابعة، فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فر يشتد، حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا تركتموه([9]).
وجه الدلالة: أن "ماعزا هرب فقتلوه ولم يتركوه، ولو قبل رجوعه للزمتهم الدية"([10]).
ثانيا: "أنه حق وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق"([11]).
والذي يظهر رجحانه هو مذهب الجمهور، فالشبهة في الرجوع ظاهرة، والحدود تدرأ بالشبهات كما هو معلوم، ولأن حق الله مبني على المسامحة، والشريعة الإسلامية لا تتشوف للعقوبة، وإنما تتشوف لإصلاح أحوال الناس، أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فإن حديث ماعز ظاهر في دلالته لمذهب الجمهور، وكون الدية لم تلزم إما لكونهم لم يعلموا الحكم أصلا، أو لسبب آخر، أما دليلهم الثاني فهو قياس مع الفارق إذ إن حق الله يختلف عن حق الخلق، فالأول مبني على المسامحة بخلاف الثاني.
أما بالنسبة للوضع في النظام السعودي فقد تقدم فيما سبق النص على حالات نقضاء الدعوى، والتي منها الحكم النهائي، فإذا أقر المتهم بما نسب إليه وصدر الحكم بإدانته، واكتسب ذلك الحكم الصفة النهائية ثم عدل عن إقراره لم يقبل عدوله، ولم يؤثر في مقتضى الحكم([12]).
لكن لو كانت الجناية المدعى بها من الجرائم الموجبة للحد في الشريعة الإسلامية وثبتت بالإقرار، فإن عدول المتهم غن إقراره بها أثناء تنفيذ الحد يقبل فيما يقبل فيه العدول كحد الزنا، ولا يقبل فيما لا يقبل فيه العدول عن الإقرار في الشريعة الإسلامية([13])، وهذا تبعا للمادة الأولى من نظام الاجراءات الجزائية السعودي، حيث نصت على أنه "تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية، وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة، وتتقيد في إجراءات نظرها بما ورد في هذا النظام".
بل لقد نصت المادة (165) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية على أنه "لا يجوز ربط المنفذ فيه عقوبة ولا الإمساك به وقت تنفيذ حد الزنا أو المسكر إذا ثبت الحد بالإقرار، فإن عدل عن إقراره أو هرب وجب وقف إجراءات التنفيذ وعرض الأوراق على المحكمة التي أصدرت الحكم لتقرير ما تراه".


([1]) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، مرجع سابق (3/167).
([2]) ينظر: الخرشي، شرح مختصر خليل، مرجع سابق (8/80).
([3]) ينظر: ابن حجر، تحفة المحتاج، مرجع سابق (9/113).
([4]) ينظر: ابن قدامة، المغني، مرجع سابق (9/69).
([5]) أخرجه الترمذي، أبواب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود (1424)، وضعفه، كما ضعفه أيضا الألباني، ينظر: الألباني، كجكد ناصر الدين، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، إشراف: زهير الشاوش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1405هـ، (8/25).
([6]) الزيلعي، تبيين الحقائق، مرجع سابق (3/167).
([7]) ينظر: الماوردي، الحاوي، مرجع سابق (13/210).
([8]) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، مرجع سابق (3/167).
([9]) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك (4419)، الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد (1428)، وقال حديث حسن، وابن ماجه، أبواب الحدود، باب الرجم (2554)، وأحمد (9809)، وأصله في الصحيحين.
([10]) الموسوعة الكويتية، مرجع سابق (6/72).
([11]) السابق.
([12]) ينظر: عبد البصير، عصام عفيفي، التعليق على نظام الإجراءات الجزائية في المملكة العربية السعودية، دار النهضة العربية، ط1، 1425هـ، (ص336).
([13]) ينظر: الصبيح، عبد العزيز بن عبد الرحمن، عدول المتهم عن الإقرار في الدعوى الجنائية، بحث ماجستير غير منشور.

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015