الرجوع عن الإقرار
اختلف فقهاء المسلمين في
اشتراط بقاء المقر على إقراره إلى إتمام الحد المتعلق بحقوق الله على قولين:
القول الأول: يشترط
البقاء على الإقرار حتى يقام الحد، وبهذا قال الحنفية([1])، والمالكية([2])، والشافعية([3])، والحنابلة([4]).
واستدل أصحاب هذا القول
بحديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود عن المسلمين
ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن
يخطئ في العقوبة([5]).
ووجه الدلالة أن
"الرجوع خبر يحتمل الصدق والكذب كالإقرار الأول فأورث شبهة وهو يدرأ بها وهذا
لأن كل واحد من كلاميه يحتملها فلا يمكن العمل بأحدهما لعدم الأولوية فيترك على ما
كان بخلاف القصاص وحد القذف لأنه من حقوق العباد وهو يكذبه والحد حق الله فلا يكذب
له"([6]).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولا: أبي هريرة قال: جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله،
إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى،
فأمر به في الرابعة، فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فر يشتد،
حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: هلا تركتموه([9]).
والذي يظهر رجحانه هو
مذهب الجمهور، فالشبهة في الرجوع ظاهرة، والحدود تدرأ بالشبهات كما هو معلوم، ولأن
حق الله مبني على المسامحة، والشريعة الإسلامية لا تتشوف للعقوبة، وإنما تتشوف
لإصلاح أحوال الناس، أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فإن حديث ماعز ظاهر في
دلالته لمذهب الجمهور، وكون الدية لم تلزم إما لكونهم لم يعلموا الحكم أصلا، أو
لسبب آخر، أما دليلهم الثاني فهو قياس مع الفارق إذ إن حق الله يختلف عن حق الخلق،
فالأول مبني على المسامحة بخلاف الثاني.
أما بالنسبة للوضع في
النظام السعودي فقد تقدم فيما سبق النص على حالات نقضاء الدعوى، والتي منها الحكم
النهائي، فإذا أقر المتهم بما نسب إليه وصدر الحكم بإدانته، واكتسب ذلك الحكم
الصفة النهائية ثم عدل عن إقراره لم يقبل عدوله، ولم يؤثر في مقتضى الحكم([12]).
لكن لو كانت الجناية
المدعى بها من الجرائم الموجبة للحد في الشريعة الإسلامية وثبتت بالإقرار، فإن
عدول المتهم غن إقراره بها أثناء تنفيذ الحد يقبل فيما يقبل فيه العدول كحد الزنا،
ولا يقبل فيما لا يقبل فيه العدول عن الإقرار في الشريعة الإسلامية([13])، وهذا تبعا
للمادة الأولى من نظام الاجراءات الجزائية السعودي، حيث نصت على أنه "تطبق
المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية، وفقاً لما دل عليه
الكتاب والسنة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة، وتتقيد
في إجراءات نظرها بما ورد في هذا النظام".
بل لقد نصت المادة (165)
من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية على أنه "لا يجوز ربط المنفذ
فيه عقوبة ولا الإمساك به وقت تنفيذ حد الزنا أو المسكر إذا ثبت الحد بالإقرار،
فإن عدل عن إقراره أو هرب وجب وقف إجراءات التنفيذ وعرض الأوراق على المحكمة التي
أصدرت الحكم لتقرير ما تراه".



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات