-->
»نشرت فى : الأربعاء، 28 أغسطس 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

قصر الصلاة في السفر

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان -رضي الله عنهما-. متفق عليه.
وللبخاري عنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففرضت أربعاً وتركت صلاة السفر على الأولى".
الشرح
فرضت الصلاة في حادثة المعراج كما هو معلوم وكانت قد فرضت خمسين صلاة ثم أصبحت خمس صلوات، وكانت أول ما فرضت ركعتين ركعتين، ثم بعد ذلك زيدت فأصبحت أربعا إلا المغرب والصبح، فقد أخرج أحمد في مسنده هذا الحديث بلفظ: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها".
ودلت رواية البخاري على أن الزيادة في صلاة الحضر كان بعد الهجرة، وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى وهي ركعتان، ولا فرق في السفر بين حالتي الخوف والأمن، والمشقة وعدمها إذ إن القصر منوط بالسفر ذاته لا بتحقق المشقة، نعم المشقة حكمة لهذا الحكم لكن بما أنه ليس منضبطاً أنيط الحكم بالسفر لانضباطه، وقد دل هذا الحديث على مشروعية القصر للمسافر، كما دل عليه القرآن في قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفي مسلم ن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: {ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وعلى هذا أجمعت الأمة.
وقد اختلف أهل العلم في حكم القصر في السفر على أقوال، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن القصر جائز تخفيفا على المسافر، لأن نفي الجناح الوارد في الآية يدل على الإباحة لا الوجوب، وذهب المالكية إلى كونه سنة مؤكدة لعدم ثبوت الإتمام عن النبي r في جميع أسفاره، وذهب الحنفية إلى القول بالوجوب، محتجين بقول عائشة: "فرضت"، لكن الفرض غير الوجوب عند الحنفية كما هو معلوم إذ إن الفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي والزاجب ما ثبت بدليل ظني، لكن هذا اصطلاح خاص بهم وبمن يوافقهم عليه ولا علاقة له بالمعنى اللغوي لكلمة: "فرض"، وعلى كل فإن الحنفية لا يجيزون الإتمام في صلاة السفر إلا إذا صلى خلف مقيم أتم متابعة له سواء أدرك من الصلاة معه قليلا أم كثيرا، وبهذا يتلخص لنا أنهم اختلفوا في كون القصر رخصة أو عزيمة على قولين، فالمالكية والشافعية والحنابلة على أن القصر رخصة، وأن الأصل هو الإتمام بدليل وصفه بأنه صدقة تصدق الله بها على عبادة كما في حديث عمر السابق، ولا يستلزم هذا تفضيل الإتمام إذ إن الجمهور يفضلون القصر عليه، وذهب الحنفية وبعض الحنابلة ونقل عن بعض السلف إلى كونه عزيمة بل إن الحنفية يرون أنه الأصل في الصلاة وأن الزيادة عليه زيادة غير مشروعة تماما كما لو زاد المقيم خامسة في الرباعية، والذي يظهر هو قول الجمهور.
أما عائشة رضي الله عنها فقد كانت تتم في السفر، ولما سئل عروة عن ذلك أجاب بكونها تأولت كما تأول عثمان لأنه كان يقصر صدرا من خلافته ثم أتم فقال بعضهم: لعل تأوله كونه أميرا على المؤمنين وأن بلاد الإسلام جميعا بلده ومقامه، ولعل تأول عائشة مثله إذ إنها أم المؤمنين، وبلاد المؤمنين بلدها ومقامها، لكن رد هذا بأن النبي r كان أولى بذلك منهما، وكذلك أبو بكر وعمر، قال النووي: "الصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام".

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015