-->
»نشرت فى : الجمعة، 5 يوليو 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

الشهادة الأكاديمية مجرد قرينة


بالرغم من الجهود الجليلة التي قدمتها الأكاديميات في مجال العلوم الشرعية من حيث تخرج نخب متخصصة إلا أن هذه المخرجات وطريقة التعاطي المجتمعي (العامي) معها أسبغ عليها ثوباً لا يليق إلا بالقلة، وتوضيحا لذلك أقول: يظن الكثيرون أن خريج الدرسات الإسلامية لديه الأهليه في أن يفتي في المسائل الدينية يسيرها ومستصعبها، وبعضهم يرتقي قليلا فيظن أن من يحمل شهادة الماجستير أو الدكتوراه هو المؤهل لذلك، والحق -وهو ما يؤيده الواقع العلمي والتطبيقي- أن الشهادة مجرد قرينة على مستوى صاحبها العلمي وأن من يحمل الشهادة العليا إنما هو في حقيقة الأمر قد خطى خطوة أولى في طريق العلم واستيعابه، فإن فهم هذا المعنى نجح وأفلح، وإن صدق الأماني التي كانت تراود خاطره أو تُلقى عليه عن كون هذه المرحلة تمثل تاج رحلته العلمية ونهايتها فقد خاب وخسر، وأضاع نفسه وأتباعه.
ومما يدل على ما قلته هو طبيعة الدراسة الأكاديمية العليا، فالمرء لا يحتاج لاجتياز مرحلة الماجستير أو الدكتوراه إلا لبحث قد لا يتجاوز بضعة مئات من الصفحات تحتل الحواشي والفهارس الجزء الأكبر منها! ويزيد الطين بلة فيما لو كان الموضوع مجرد نسخ ولصق أو مسخ لأبحاث آخرين، والأنكى أن يكون الموضوع في الغالب جزئيا يمثل دائرة صغيرة جدا من علم واسع يفتقر لسنوات عجاف، فمثلاً إن كان التخصص في علم اللغة فستجد البحث مقدماً في (حتى) أو (أيضا) مثلاً ليطلق على صاحبه: "متخصص في اللغة العربية"، والصواب أنه متخصص في (حتى) أو (أيضا) هذا إن أتقن موضوعه حقاً، وقل مثل ذلك في الفقه، فمثلا يكتب أحدهم بحثا في السجود وأحكامه ليحصل على شهادة التخصص في الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده.. عجبا! هل تقزمت هذه العلوم الثلاثة إلى هذا المستوى؟!
بل ثمة ما هو أشد وهو أن يكون البحث متعلقًا بدراسة جهود ومنهج عالم ما أياً كان هذا العالم أو الإمام سواء الجويني مو الشاطبي أو الشوكاني أو غيرهم، وتستغرب أن من هذا حاله يُستفتى في أصول الدين وفروعه! بل ويتطوع بتدبيج المقالات المليئة بالجهالات والمغالطات.. وتجد من يفرح بمثل هذا الموقف وهذه الفتاوى العرجاء.. لكن.. لو تأملت في هؤلاء الفرحين ستنصدم عندما تعرف أو تجدهم أولئك الذين يحاروبون الدين دهرهم وبشتى الوسائل! عجيب هذا الأمر أليس كذلك؟! والأعجب أنك ستجد هذا الكاتب أو المفتي الدخيل يدعو إلى احترام التخصصات وينسى أنه أول من يجترئ على انتهاك التخصص، وأول من يشنع على المتخصصين الكبار، وهو يظن أن شهادتة الأكاديمية تخول له أن يقول ما شاء وكيف شاء، وهو يدري أيضاً أن الكثيرين يغترون بسمعة هذه الشهادة: دكتوراه في الفقه الإسلامي أو أستاذية في أصول الفقه الإسلامي ونحو هذه الألقاب التي لا تروج في سوق العلم، إن من يصدق هذا الكاتب وأمثاله كمن يصاب بداء في بطنه فيذهب للتداوي عند متخصص في العيون بحكم أن كلا التخصصين طباً، إن من يفعل هذا ضعيف التفكير بلا شك، هذا هو المثال التوضيحي لمثل هذه الصورة. 
بل حتى لو سلمنا بمدول شهادات تلك التخصصات فإن المتخصص في أصول الفقه لا يجوز له الإفتاء ما لم يكن أهلا بشهادة الثقات من أهل العلم، فكيف لو كان التخصص في جزئية بسيطة جدا، وفي دهليز هامشي ضيق من قصر منيف وهو علم أصول الفقه..
 ولا يحملن أحد كلامي هذا على الانتقاص من الأكاديميات وفوائدها الجمعة إذ إن محل النزاع هو تعدي حدود العلمية التي هي أبسط مبادئ التعلم، وإعطاء الشخص نفسه الحق في الخوض في قضايا مصيرية تمس دينا وأمة يقارب تعدادها المليارين بحجة أنه متخصص في نظرية المقاصد عند الشاطبي!

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015