-->
»نشرت فى : الجمعة، 5 يوليو 2019»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

المنهج الهرمنيوطيقي وتفسير القرآن الكريم


تأتي كلمة هرمنيوطيقا اشتقاقا من فعل: (Hermeneuein)، ويعني يفسر([1])، وفكرة الهرمنيوطيقا تدور حول التأويل وفهم النص، وهي تعني تعدد محتوى النص وتنوعه بتنوع القارئ له، وفك الارتباط بين النص وكاتبه حتى قالوا إن الهرمنيوطيقا هي فهم المؤلف أحسن مما يفهم نفسه! ([2])، والنص وفق هذا المنهج يغدو ملغزا مستغلقا، ليس له معنى حقيقي، ويصدق عليه قول نيتشه: «ليست هناك حقائق، هناك فقط تأويلات»([3])، وأن الإنسان إنما هو مجرد حيوان تـاويلي! ([4])
وهي فكرة نشأت في الأساس في الدوائر اللاهوتية الغربية وكان الغرض منها دراسة وفهم الكتاب المقدس عندهم إلا أن بعض الفلاسفة الغربيين قفزوا بها قفزات واسعة وحاولوا تطبيقها على جميع النصوص، وقد صرح بعضهم بأن الغرض منها التخلص من الأحكام الشرعية المنصوص عليها في كتبهم المقدسة من خلال ما يشبه التأويل الباطني الذي يعرف عند بعض الطوائف المنتسبة إلى الإسلام.
وقد كان حامل لواء هذا المنهجعدة كتاب من أشهرهم نصر حامد أو زيد، وهو مفكر مصري معروف له عدد كتابات فلسفية تتعلق بكيفية التعامل مع النص القرآني والنبوي، وكان توجهه صوب هذا الاتجاه مبكرا حيث كتب رسالته للماجستير في: «الإمام الشافعي وتأسيس الايدلوجية الوسطية»، ثم الدكتوراه والتي كانت عن ابن عربي، ثم تداعت كتبه بعد ذلك والتي دارت في معظمها حول قضية التأويل، وقد أخذ منهج الهرمنيوطيقا حيزا كبيرا من كتاباته، ولعله رأى في أخريات عمره أن هذه المنهج هو الأسلم لدحض كل ما من شأنه ربط المسلمين بكتابهم الرباني: القرآن الكريم، وقد كافح في سبيل ذلك كفاحا مريرا([5])، فأقام عليه بعض المحتسبين دعوى قضائة وحكم عليه بالردة، والتفريق بينه وبين زوجته ففر إلى هولندا ليواصل مسيرته الدخيلة.
وقد كان دور أبي زيد هو نقل هذا المنهج الغريب إلى دائرة الدراسات القرآنية، ومحاولة تطبيقه على النص القرآني، وفي هذا السياق اتهم الأوائل بسوء فهم النص، أو فهمه بحسب بيئتهم، وعصرهم، وأن لعصرنا فهم آخر، وحاول إيجاد المبررات لهذا المنهج، وقد تم كل هذا وفق نظام فلسفي، وكلامي لا يمت إلى الفلسفة ولا إلى علم الكلام بصلة، بل ولا يمت إلى العقل والواقع بما يوحي بمصداقيته! هذا علاوة على مصادمته لصريح القرآن والسنة الصحيحة.
لكن مما يجاب به على هذا المنهج أن أنّ نفي الحقيقة الثابتة في النص بدعوى إمكانية التلقي عبر تراخي العصور، يفضي إلى تصحيح جميع التأويلات والتفسيرات التي تحوم حول النصّ الواحد وإهدار المرجع المعياري الذي يحتكم إليه في القراءة، ويبدو أنّ هرمنيوطيقا غادامير تفتح الباب على مصراعيه لاغتيال المؤلف ونسف مقاصده، إذ يصبح النص لعبة المتلقي([6]).
ومما لا شك فيه أن الرغبة في الفهم قد تحولت مع الخطاب الحداثي العربي إلى رغبة في ممارسة النقد، وقد تسرب هذا النفس إلى الخطاب العربي بفعل حمل التشكيك التي خضع لها الكتاب المقدس، وبفعل المراجعات التي أقيمت حوله، فكان المطمح هو عكس تجربة الكتاب المقدس على النص القرآني([7]).
وللأسف أن هذا الاتجاه وجد قبولا متحمسا عند بعض الشباب، بل إن بعض من يسمي نفسه كاتبا، ويقدم برامج تلفزيزنية في بعض القنوات الفضائية، كان يتلقف تلك الكتابات ويعيد صياغة بعضها ليخرجها بقالب آخر وكأنها من بنيات أفكاره، تماما كما فعل أبو زيد في كتاباته عندما حاول أن يوهم القراء بأن ما يكتبه كشف وفتح جدي وهو في الحقيقة فتات مما فهمه من كتابات الأجانب ك ك: (قادايمر، وشلايرماخر، وهيدقر) وغيرهم، لكن تأثير هذا الشخص كان قليلا بالمقارنة



([1]) ينظر: فهم الفهم (24).
([2]) من النص إلى الفعل، أبحاث في التأويل، بول ريكور، ترجمة محمد برادة وزميله، (ص111)، وينظر: نقد الخطاب الديني لأبي زيد (ص200).
([3]) فهم الفهم (21).
([4]) ينظر: السابق.
([5]) لأبي زيد عدة مؤلفات في هذا المجال منها: مفهوم النص، ونقد الخطاب الديني، وغيرهما.
([6]) ينظر: النص القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر (258).

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة دروب المعرفة 2014 - 2015