رواية الشعر ورواية الشرع
سأعقد مقارنة بين روايتين، إحداهما رواية الشعر
والأخرى رواية الشرع ، ومن خلال المقارنة سيتضح المقصود ويبين المراد.
لقد كان الشاعر الجاهلي قبل الإسلام ينظم معلقته
من مائة بيتٍ أو تزيد، ويحفظها في صدره، ولم يك يكتبها، ومن ثمّ يقصد بها سوق عكاظ
أو مجنّة أو ذي المجاز فيسردها على رواد السوق من شتى القبائل، فيرخون لها أسماعهم،فيحفظونها
في صدورهم، ولم يكونوا يكتبون شيئاًمن ذلك ، ولم
يك ينشدها عليهم بتؤدةٍ وتروٍ، وما يكاد يفرغ منها إلاوقد حفظوها، ثم انطلقوا بها في
قبائلهم وركبانهم يروونها لم يخرموا منها بيتاً واحداً، يرددونها في مجالسهم ومنتدياتهم
وأسواقهم، حفظوا معلقة طرفة وعنترة وزهير ولبيد
وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وامرئ القيس وغيرهم، ولم يُؤثر عنهم أنهم اعتمدوا في
حفظها على الكتابة، بل على السماع والرواية وذاكرة الحفظ القوية التي تميز بها أهل
ذلك الزمن، وبعض ألفاظ المعلقات عسير، وبحرها طويل، ولم يكن لهم حلقات وطلاب يدرسونهم معاني هذه القصائد ويحفظونهم أبياتها، ومازال الحال
كذلك حتى جاءت عصور التدوين، فألفت المؤلفات، ودونت الدواوين، فحُفظت فيها،ولم يزل
علماء اللغة والنحو والأدب والشعر ينهلون من معانيها، ويستشهدون بأبياتهالايصدهم عن
ذلك أنهاجاءتهم غيرمكتوبة ولم يحملهم ذلك على التشكيك فيها، ناهيك أن رواة تلك الأشعارلم
يكونوا يحتسبون الأجر ويتقربون إلى الله بروايتها وتبليغها، ولم يكن لهارجال ينظرون
في رواتها، ويميزون بين من تقبل روايته ومن ليس كذلك، ولم يكونوا يعقدون حلقات الرواية
والسماع لتبليغها الناس ونقلهالهم، وهي آلاف الأبيات، ناهيك عن قصائد أخرى حُفظت لا
تقل عن المعلقات في ذلك، كأشعار العجاج والخنساء وكعب بن زهير والأعشى وتأبط شراً وأمية
بن الصلت والفرزدق والأخطل وجرير وغيرهم عبر العصور المتطاولة، والتي كانت تروى بالسماع،
ويتناقلها الركبان ويحفظونها ويروونها .
وأما رواية الشرع من كتاب الله وسنة محمد ابن عبد
الله عليه أفضل الصلاة والسلام فقد كان لها شأن آخر مختلف تماماً،فقداختار عليه الصلاة
والسلام كتّابا للوحي يكتبونه، وكان الرواة من الصحابة الكرام عرباً أقحاحاًيتمتعون
بتلك الحافظة التي كان يتمتع بها رواة الشعر في ذلك الزمن ويزيدون عليهم بعدة أمور
منها :
- مبدأ الاحتساب وطلب الأجر
في حفظ الكتاب والسنة، لا سيما وهم يعرفون فضل ذلك ويُذكّرون به بين الفينة والأخرى
.
- ومنها مبدأ التبليغ ونشر
هذا الخير تعليماً للجاهل وتذكيراً للناسي، منطلقين في ذلك من قول النبي صلى الله عليه
وسلم ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) وقوله ( بلغوا عني ولو آية ) وقوله ( نظّر الله
أمرأ سمع مني مقالة فحفظها ووعاها وأداها.....) الحديث .
- ومنها تواترهم صغاراً وكباراً
على الاهتمام بحفظ القرآن ورواية السنة، بل منهم من فرّغ ليله ونهاره لذلك وقضى عمره
في ذلك تلقيّاً وتبليغاً، ولا يخفى حال أبي هريرة وابن عباس وعائشة وأبي سعيد الخدري
وعبد الله بن عمر وغيرهم كثير .
- ومنها أن الأجيال تعاقبت
على ذلك وتواترت عليه، وكانت تعقد مجالس السماع فيتلقى الطلاب عن الشيوخ تدويناً في
السطور وحفظاً في الصدور، فيعرضون المحفوظ على المسطور فضبطوا حفظهم بمسطورهم
.
- ومنها أن الرواة كانوا
لا يأخذون عن كل أحد، بل يتحرون غاية التحري فيمن يروون عنه، ولا يقبلون رواية بلا
سندولا خطام ولا زمام .
- ومنها أن الرواة كانوا
يرحلون لسماع الحديث إلى الأمصار، فيسمعون ويحفظون ويدونون ، رحلواإلى العراق والحجاز
والشام واليمن ومصر وغيرها من أمصارالمسلمين وبلدانهم، فلئن كان الراوي عن أهل بلدٍ
واحدٍ سيحفظ الكثير، فكيف بمن روى عن أهل تلك البلدان مجتمعة، وقد تفرق الصحابة في
الأمصار وعقدوا حلقات العلم للطلاب في كل بلد فمن زار تلك البلدان ورحل في طلب العلم
لها ليسمع من شيوخها سيدرك الكثير والكثير من الروايات .
- ومنها أن رواية الشرع هي
رواية لكلام بليغ غزير المعنى قصير المبنى وليس كلاماً حشواً يصعب حفظه ويصعب استذكاره
.
- ومنها أن عصور التدوين
بدأت مبكرة، فكان بعض الصحابة يدون في صحيفته
إضافة إلى حفظ صدره، فاجتمع المحفوظ والمزبور، وأي حفظ أعظم من أن يجتمعاجميعاً.
-ومنها انبعاث الأكثرون
للسماع والرواية حتى احتاج الشيوخ إلى مسمعين بين الصفوف حيث تمتد بعض الحلقات مسافات بعيدة ويحضرها
المئات بل الآلاف، وكلهم يتضافرون على الحفظ والرواية ، فلو زل واحد أو اثنان فإن العقل
يحيل أن يزل الجميع كلهم.
- ومنها أن عصر الرواية ذلك
رافقه علم جليل وحصن قوي للتنقية والتصفية،
ألا وهو علم الإسناد والنظرفي الرجال جرحاً وتعديلاً، فلم يكونوا يروون عن كل أحد ولا
عمن هب ودب، بل كانوا يختارون الثقات العدول الحفاظ للرواية عنهم ويتركون من سواهم،
وهذا من حفظ الله للشريعة كما تعهد سبحانه بقوله ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) .
ومع هذا كله يأتي في زماننا هذا من يقبل عقله روايات
تلك المعلقات والقصائد، ويؤمن بالحافظة القوية التي روتها ونقلتها، ولا يقبل عقله ولا
يستسيغ رواية الشرع من الكتاب والسنة ويشكك في الموروث وفي قدرات الرواة الذين حفظوه
ونقلوه وألفوا الكتب في تدوينه ، عجباً وربي لمن يستسيغ رواية معلقة طرفة وعنترة وزهير،
ولا يشكك فيها ثم هو لايستسيغ صحيح البخاري ومسلم وما فيهما من روايات،
ذلك أمر مريج وغريب، وتلك مرحلة سيعقبها مرحلة أخرى،
هي التشكيك في الكتاب المنزل من رب العالمين، فالذين رووا السنة هم الذين رووا آيات
الكتاب ونقلوها بالإسناد، فلئن كان الناقل مشكوكاً في أمره وفي قدراته سيستوي في ذلك
نقله من الكتاب أو السنة، وتلك بلية بلينا بها ممن تصدر في هذا الزمان من المتثقفين
الجهلة، والذين أظلمت عقولهم بالشبهات ولم تستنر بنور الوحي .
اللهم ثبتنا على الحق حتى
نلقاك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا**.
**أنور العكشان.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات