من حقوق الزوجة المالية [2]
النفقـــــة
أولاً: التعريف بالنفقة ومشروعيتها:
النفقة هي توفير ما تحتاج
إليه الزوجة من طعام، ومسكن، وخدمة، ودواء، وإن كانت غنية([1])، وهي واجبة بالكتاب، والسنة،
والإجماع:
·
أما الكتاب فقول الله
تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا
آتَاهَا)[الطلاق:7]، ومعنى قدر عليه أي ضيق عليه.
·
وأما السنة فروى جابر رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء،
فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله
واستحللتم فروجهن بكلمة، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». رواه مسلم.
·
وجاءت هند إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من
النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» متفق عليه.
وفيه
دلالة على:-
1-وجوب
النفقة لها على زوجها وأن ذلك مقدر بكفايتها.
2-وأن
نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم.
3-وأن
ذلك بالمعروف.
4-وأن
لها أن تأخذ ذلك بنفسها بغير علمه إذا لم يعطها إياه.
·
وأما الإجماع فاتفق أهل
العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر وغيره([2])، وممن نقل الاتفاق ابن رشد([3]) .
والنفقة
تشمل: الطعام، والإدام، والكسوة، وآلة التنظيف، ومتاع البيت، والسكنى، والخادم إن
كانت ممن تخدم([4]).
وسبب
وجوب النفقة هو حبس الزوجة نفسها في البيت من أجله وتمكنه من نفسها، وشغلها في
مصالحه، ورعاية البيت والأولاد نيابة عنه، فكما قامت هي بهذا الواجب له كان لزاماً
أن يقوم هو بواجب آخر لها يناسب فطرته وتكوينه، وهو إيجاد النفقة حتى تتفرغ هي
للوظيفة التي أسندت إليها بحكم عقد الزواج، وتقوم بها أحسن قيام([5]).
قال
ابن قدامة: «وفيه ضرب من العبرة، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف
والاكتساب، فلا بد من أن ينفق عليها»([6]).
ومما
يزيد هذا وضوحاً أن الحياة الزوجية لابد أن تنهض على أحد أسس ثلاثة:-
الأول:
أن يتولى الزوج الإشراف على بيت الزوجية، وأن يكون هو المسؤول عن النفقة على
الزوجة والأولاد.
الثاني:
أن تتولى الزوجة ذلك كله بدلاً من الزوج.
الثالث:
أن يتعاون الزوجان في النهوض بالمسؤوليات المادية وتقديم النفقة.
فلو
استبعدنا الأساس الأول -والذي هو حكم الشريعة الإسلامية- فستتحول المرأة إلى طالبة
للزوج بدلاً من كونها مطلوبة، وستتجه إلى سبل الكدح والعمل من أجل الرزق ثم تصبح
عرضة للسوء والانحراف، وواقعنا أكبر دليل على ذلك، وسيصبح البيت عندئذ مقفراً
قلقاً، وبدلاً من أن يكون البيت عنصراً للسعادة عامراً بالرعاية والأنس، وبدلاً من
أن تضل المرأة عزيزة يصبح البيت والزواج شقاءً لا يطاق([7]).
ثانياً: شروط وجوب نفقة الزوجة على زوجها:
تجب
النفقة على الزوج للزوجة بالشروط التالية:-
الشرط الأول: صحة النكاح، ذلك أن سبب وجوب النفقة
هو حق الحبس الثابت للزوج على زوجته بسبب عقد النكاح الصحيح، فإذا كان النكاح
فاسداً لم يثبت به حق الحبس للزوج عليها، كما أن التفريق واجب بين الطرفين في
النكاح الفاسد، لأنه ليس بنكاح حقيقة([8]).
الشرط الثاني: تمكين الزوجة نفسها من الزوج تمكيناً تاماً، ويستثني من
ذلك صورتان:
الأولى: ما لو منعت نفسها لتسليم المهر المعين أو الحال فإن لها النفقة
من حينئذ، أما المؤجل فليس لها حبس نفسها له وإن حل.
الصورة الثانية: لو أراد
الزوج سفراً طويلاً فلامرأته المطالبة بنفقة مدة ذهابه ورجوعه، كما لا يخرج للحج
حتى يترك لها هذا المقدار، أي إذا لم يستنب من يدفع لها ذلك، ويفهم من القول أن
النفقة يشترط لوجوبها التمكين أن العقد لا تجب به النفقة، وهو جديد قول الشافعي
والقديم: أنها تجب بالعقد وتستقر بالتمكين، فلو امتنعت منه سقطت النفقة.
واستدل لكونه للتمكين لا
للعقد أن العقد وجب به المهر وهو لا يوجب عوضين مختلفين([9]).
ولا يسقط النفقة عذر
يمنع الجماع عادة كمرض، ورتق، وقرن وحيض،
ونفاس، وجنون، وإن قارنت تسليم الزوجة، لأنها أعذار بعضها يطرأ ويزول، وبعضها دائم،
وهي معذورة فيها، وقد حصل التسليم الممكن، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه([10]).
هذا وقد ذكر الفقهاء
حالات يصح للزوجة الامتناع فيها من التسليم، وهي ما يلي:-
1- عدم
إعطائها مهرها المعجل([11]).
4- عدم
تهيئة البيت الشرعي، كأن يسكنها في بيت ضرتها، أو في بيت فيه بعض أهله، أو في بيت
لا تتوافر ما يجب لها فيه([14]).
5- السفر
بها وهو غير مأمون عليها، كأن أراد بذلك إيذاءها، أو الإضرار بها.
الشرط الثالث: عدم نشوزها: أي عدم
عصيانها زوجها وخروجها عن طاعته([15])
فيما له عليها مما أوجبه له عقد النكاح، كما لو امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله
بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو امتنعت من السفر معه([16]).
ويستثنى من هذا حالات
منها:-
1-
إشراف البيت على الإنهدام.
2-
أكرهت على الخروج من بيته
ظلماً.
3-
خرجت جيرانها من بيوتهم، وبقي
البيت منفردا، وخافت على نفسها.
4-
كان المنزل لغير الزوج فأخرجها
منه صاحبه.
5-
لو خرجت إلى القاضي لطلب
حقها من زوجها.
6-
إذا أعسر بالنفقة سواء
أرضيت بإعساره أم لا.
7-
لو خرجت إلى الحمام ونحوه
من حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها له لتعود عن قرب للعرف في رضا مثله بذلك.
8-
لو خرجت لاستفتاء لم
يغنها الزوج عن خروجها له.
9-
لو خرجت لبيت أبيها
لزيارة أو عيادة.
فهذه الأعذار وما في
معناها تبيح للزوجة الخروج من بيتها([17]).
وأما إذا كانت المرأة
موظفة أو ذات حرفة فإن منعها الزوج وأمرها بالقرار في البيت فلم تمتنع وخرجت فإن
خروجها يكون نشوزاً، قال صاحب الدر المختار: «ولو سلمت نفسها بالليل دون النهار أو عكسه فلا نفقة لنقص
التسليم... وبه عرف جواب واقعة في زماننا أنه لو تزوج من المحترفات
التي تكون بالنهار في مصالحها وبالليل عنده فلا نفقة لها»([18]).
ومما ينبه عليه أن النفقة
تصير ديناً في ذمة الزوج إذا امتنع من أدائها بعد أن وجبت عليه من غير قضاء القاضي
ولا رضا الزوج، ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء من الزوجة كما هو الحال في سائر
الديون([19]).
ثالثاً: مقدار النفقة:
اختلف الفقهاء في تقدير
النفقة على قولين فذهب الشافعية إلى تقديرها، وفرقوا بين الموسر والفقير والمتوسط.
فجعلوا على الموسر كل يوم
مدي طعام، وعلى الفقير مد، وعلى المتوسط مد ونصف، وضبطوا الفقير بأنه مسكين الزكاة،
وأن الواجب غالب قوت البلد، وعلى الزوج الطحن والخبز([20])
وموءن الطبخ([21]) وذهب بعضهم إلى جواز الاعتياض عن النفقة ولوكانت مستقبلة، لكن
المذهب على خلافه([22]) وقالوا: لو أكلت معه على
العادة سقطت نفقتها([23]).
ويدخل في الطعام ماء
الشرب، وآلة الأكل، والشرب([24]).
كما يجب أدم غالب البلد،
ويختلف باختلاف بالفصول، وعند تنازع الزوجين فيه يقدره القاضي باجتهاده([25]).
وذهب غيرهم إلى أن النفقة
مقدرة بالكفاية، ويختلف باختلاف من تجب لها النفقة([26])
ولكل دليله، والمذهبان متقاربان.
ومما تشمله النفقة المسكن،
فعلى الزوج أن يهيئ مسكناً لائقا بها عادة([27])
كما أن لها الحق في انفرادها بمسكن([28])
ويجب عليه تأثيثه وتجهيزه([29]).
وأوجب بعض الفقهاء على
الزوج توفير الزينة التي تتضرر المرأة بتركها مثل: الكحل، والدهن، والحناء([30]).
وبعض الفقهاء لم يوجب
أجرة الطبيب على الزوج في حالة مرض المرأة([31])،
وفي المقابل لم يلزموا الزوجة بخدمة الزوج، ومسألة الخدمة وإن كان الجمهور على عدم
لزومها إلا أن الأصح هو ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو وجوب ذلك من مثلها لمثله،
بمعنى أنه إذا كان العرف في مثلها لمثله أن تقوم بخدمة زوجها لزمها ذلك وإن كان
العرف بالعكس لم يلزمها، وهذا قد يختلف في أبناء المجتمع الواحد، وهذا هو ما عليه عمل الناس اليوم لكن أحب أن
أنوه إلى أن بعض النسوة ترفض خدمة زوجها محتجة بقول الجمهور، وهذا وإن كان صحيحاً
إلا أنه تشهٍ في الأخذ بهذا القول؛ لأن الجمهو أيضا لا يوجبون على الزوج مداواتها،
فإذا كانت الزوجة متبعة لرأي الجمهور في الخدمة فيلزمها أن تتبعه كذلك في التداوي،
والصحيح أن الزوج يلزمه القيام بشؤون وحاجيات الزوجة الخاصة بها مطلقاً مما لا
تستقيم حياتها إلا بها بما في ذلك التداوي، كما يجب على الزوجة خدمتها إذا جرى
العرف بذلك.
وللمرأة أن تأخذ من مال
زوجها إذا قتر عليها ما يكفيها ويكفي ولدها، لما ثبت في البخاري من حديث عائشة رضي
الله عنها أن امرأة أبي سفيان شكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقتير زوجها فقال
لها صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
ومما يدخل في النفقة
الكسوة فتجب كسوتها على قدر الكفاية، وتختلف باختلاف البلاد في الحر والبرد.
قال الفقهاء: ويلزمه
كسوتان واحدة للصيف وأخرى للشتاء([32]).
وقالوا: لا يجب على الزوج
شراء كسوة الخروج للمرأة لتتزين بها في الأفراح والزيارات([33]).
ومما يدخل في النفقة آلات
التنظيف، وما تزيل به الأوساخ كالمشط والدهن والصابون والمرجع في ذلك كله العادة([34]).
والمسألة في هذا الباب
تتعلق أكثر بالتسامح والمكارمة والود بين الزوجين، لكن الفقهاء يضعون الحدود التي
لا يمكن تجاوزها أو التقصير فيها، والتي عن وقع فيها الزوج أو الزوجة أدرك أنه قد
وقع في القطأ والتقصير، كما ينفع هذا الضبط عند النزاع بين الزوجين، فتقدير
الشافعية للطعام مثلا لا يعني أن على الزوج أن يقدم هذا المقدار للزوجة ولا يجوز
له الزيادة فيه، وإنما يعنون به ضبط هذا الأمر، وليكون مرجعا عند النزاع، فيقدره
القاضي بما ذكروه.
رابعاً: عجز الزوج عن النفقة:
في حالة عجز الزوج عن
النفقة للمرأة الحق في طلب الفسخ لقوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة:229]، وإذا كان لها طلب الفسخ بسبب العنة والجب
فبالعجز عن النفقة أولى، إذ إن الأكل والشرب قوام الحياة، ولا تستمر بدونه بخلاف
فوات التمتع، هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد([35]).
وذهب أبو حنيفة والشافعي
في قول أن عجز الزوج عن النفقة ليس سبباً للفسخ ولو طلبته الزوجة([36])، وفي هذه الحال للزوجة أن
تستدين على زوجها، ويلزمه القاضي بسداد هذه الديون حال يساره، وهذا الرأي وإن كان
فيه مراعاة لعقد النكاح الثابت بين الزوجين إلا أن فيه ضررا ظاهراً على الزوجة إذ
إن مدة الإعسار قد تطول، وقد لا تجد الزوجة من يداينها، كما أنه هذا قد يوقعها في
ذل المسألة التي نهى عنها الشارع، ثم إن هذا القول لا ينفيه أصحاب القول الأول
بمعنى أنهم لا يوجبون على الزوجة فسخ النكح، وإنما يعطون الزوجة الحق في طلبه فإن
أرادت البقاء مع زوجها على وضعه وتدبرت أمرها باقتراض أو عمل أو غيره فلا بأس،
والأمر عائد إليها، ولهذا فإن قول الجمهور هو الراجح.



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات